د.لحسن الجكاني ـ الرشيدية /جديد انفو

صبيحة الخميس 29 أكتوبر 2026 كانت مدينة الرشيدية على موعد مع فاجعة تلميذ يقود دراجة كهربائية "تروتينيت"، وشاحنة ضخمة، وجسد صغير لا يحتمل ثقل الحديد، شهد المارة المشهد فبكوا، ثم حزنت المدينة كلها، لأن الفقيد ابن كل بيت فيها.

سيقال إنه قضاء وقدر، وهذا صحيح، لكن الإيمان بالقدر لا يعفينا من السؤال عن الأسباب، فقد أمرنا ديننا بالأخذ بها،

التروتينيت في الرشيدية ليس لعبة بريئة، بل صارت خطرا يمر كل يوم أمام أبواب المدارس يُقاد بسرعة مفرطة، وقد يركبه اثنان معاً، ويمر به التلاميذ في طرقات مليئة بالحفر والمطبات، وبحسب ما يُتداول محلياً تتكرر الحوادث، بين كسور وجروح، أكثر من خمس مرات في اليوم، وهذا رقم يحتاج إلى توثيق رسمي دقيق، لكن الإحساس به لا يحتاج إلى أرقام عند من يعيش في المدينة.

وسط هذا الخطر المعلوم، نتساءل أين صوت المنبر؟، فالكل يعلم أن وزارة الأوقاف اعتمدت "خطة تسديد التبليغ"، وبموجبها يُتلى في المساجد نص موحد على الصعيد الوطني، ولهذا التوحيد حجج يقدمها أصحابه مثل ضبط الخطاب الديني، وصيانته من التطرف والارتجال، وضمان جودة المضمون، وهي حجج قد تكون مبررة لديهم، ولا يصح تجاهلها، وقد يراها الكثيرون غير مبررة.. لكن لتوحيد الخطبة ثمنه، فما يشغل ساكنة الجبال والبوادي، كالتعاون والتراحم وفضل الفلاحة والصبر على الجفاف، يختلف عما تحتاجه الأحياء الراقية في حي الرياض أو عين الذياب في الرباط والدار البيضاء مثلا من حديث عن الإحسان والعطاء والصدقة والتواضع...، وما تعيشه الرشيدية اليوم يختلف عما تعيشه طنجة أو أكادير... حين يُتلى النص نفسه في كل مكان، تبقى الأسئلة المحلية الملحة بلا جواب.

يُروى عن العز بن عبد السلام، سلطان العلماء، معنى مفاده أن من نزل بأرض يشيع فيها منكر بعينه، فانصرف عنه إلى الحديث في غيره، فقد قصّر في أمانة البلاغ حيث قال:" من نزل بأرض تفشى فيها الزنا، فحدث الناس عن حرمة الربا، فقد خان الله ورسوله"، وفي رواية أخرى عكسية: "من نزل ببلد شاع فيها الربا فخطب عن الزنا، فقد خان الله ورسوله..)، والقاعدة نفسها مقررة في الفقه، فمقاصد الشريعة تقوم على حفظ النفس، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، فهل هناك تهلكة أوضح من طفل يُسلَّم دراجة سريعة ويُترك لطريق مليء بالشاحنات؟

فبين عذر الإمام وسؤال الضمير، نعرف جميعا أن الخطيب مقيد بنص، وأن رزقه مرتبط بالتزامه ووظيفته، ولا نطلب من أحد أن يضحي بلقمة عيشه، لكننا نسأل: ألا تتسع الخطبة لدقيقتين؟ دقيقة تحذير من هذا الخطر، ودقيقة دعاء لأبناء المدينة، هل يعد هذا خروجاً عن الخطة، أم أنه روحها الأصلية؟ وأين وزارة الأوقاف من هذا؟ ما الذي يمنعها من إصدار توجيه مرن يسمح للخطباء بتخصيص جزء من الخطبة لقضايا الواقع المحلي الملحة؟ و يتساءل البعض بكل مرارة : كم هو عدد الضحايا الذي يكفي السيد وزير الأوقاف ليلتفت إلى هموم الناس الوطنية و المحلية و ما يحزنهم للعدول عن خطبة التشديد على توحيد الخطاب فوق المنابر بدل التسديد و حسن التبليغ فلكل مقام مقال ؟؟   

أما رسالتنا إلى كل أب وأم، نقول: أنتم هنا مسؤولون قبل المنبر وقبل الوزارة، التروتينيت قنبلة موقوتة تُهدى إلى الأطفال في أعياد النجاح أو الانتقال من سلك لآخر وكأنها هدية، وقد يكون من أخطر ما فيها أنها تسرق الطفولة التي أراد الله لها لعباً آمناً، ومشياً هادئاً، وعودة إلى البيت مطمئنة، البيت هو الحصن الأول، فلنتحقق من أن أبناءنا وبناتنا يدركون أن الطريق ليس ملعباً، وأن الخوذة ليست خياراً، وأن الدراجة لا تتسع لراكبين، فأبناؤنا خط أحمر، وما من درس أو هدية أو "موضة" تساوي نظرة واحدة منهم عند عودتهم إلى البيت.

نتقدم بأحر التعازي لأسرة الفقيد، ونسأل الله أن يربط على قلوب والديه و إخوته و جميع أحبابه، وأن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يجعل ابنهم من الشهداء الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الغريق والمبطون والحريق وصاحب الهدم وكل من مات بحادث"، وللرشيدية كلها نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، لكن العزاء وحده لا يكفي، إن لم تتحرك المنابر والمدارس والجماعة والأسر بعد هذه الفاجعة، حتى لا نكتب مقالاً مماثلاً في المرة القادمة، باسم تلميذ آخر.