زايد جرو - الرشيدية /جديد انفو
لم تكن موجة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة خلال هذا الأسبوع مجرد حادث حدودي عابر، ولا مجرد ملف أمني يستدعي تعزيز الحراسة أو تشديد المراقبة، بل هي لحظة تاريخية تكشف التناقضات العميقة التي تنتجها البنية الاقتصادية والاجتماعية في عالم غير متكافئ. فقد شهدت المدينة محاولات عبور واسعة من شبان وقاصرين وعائلات مغربية، في مشهد يعكس استمرار الضغوطات الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الكثيرين إلى المخاطرة بحياتهم أملا في مستقبل مختلف.
من منظور اجتماعي فلسفي لا يهاجر الإنسان مغامرا لأنه يعشق البحر، بل لأنه أصبح غريبا داخل شروط إنتاج حياته، فحين يعجز العمل عن إنتاج الكرامة، ويتحول المستقبل إلى سلعة نادرة، تصبح الحدود أقل صلابة من الإحباط ،فالهجرة ليست اختيارا فرديا خالصا، وإنما تعبير عن اختلال في توزيع الثروة والفرص، وعن شعور متنام بأن المجال الاجتماعي لم يعد قادرا على احتضان طموحات أجيال كاملة.
إن الرأسمالية صنعت مفارقة قاسية، فهي تسمح بحرية انتقال الأموال والسلع والتكنولوجيا، لكنها تضع الأسلاك الشائكة أمام حركة الإنسان الفقير. وهكذا يصبح العامل القادم من الجنوب مرغوبا فيه عندما يكون قوة عمل رخيصة، لكنه يتحول إلى "مهاجر غير نظامي" عندما يطالب بحق العبور إلى الفضاء الذي ساهم، بشكل غير مباشر، في بناء ثروته عبر علاقات اقتصادية غير متكافئة.
ومن هذا المنظور لا تبدو سبتة أكثر من مجرد نقطة جغرافية فقط؛ إنها تمثل الحد الفاصل بين عالمين: عالم يراكم الثروة، وعالم ينتج اليد العاملة واليأس معا. إنها مرآة تكشف أن الفوارق الاقتصادية لم تعد مجرد أرقام في تقارير التنمية، بل أصبحت قوة تدفع الأجساد إلى مواجهة الأمواج والأسلاك والحدود.
غير أن اختزال الظاهرة في العامل الاقتصادي وحده يظل قراءة ناقصة،فالهجرة ظاهرة مركبة تتداخل فيها البطالة، والتعليم، والتحولات الثقافية، وشبكات التهريب، والتصورات الاجتماعية عن النجاح، إضافة إلى العوامل الإقليمية والدولية، لذلك فإن أي معالجة مسؤولة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، ولا أن تتجاهل الجهود التي تبذلها السلطات المغربية والإسبانية في تدبير الحدود، وإنما تقتضي معالجة جذور الظاهرة عبر توسيع فرص الشغل، وتعزيز العدالة المجالية، وفتح آفاق حقيقية أمام الشباب.
إن المأساة الحقيقية ليست أن آلاف الشباب حاولوا بلوغ سبتة، بل أن كثيرين منهم فقدوا الثقة في قدرة المكان الذي ولدوا فيه على احتضان أحلامهم، فحين يتحول البحر إلى مشروع حياة، تكون الأزمة قد تجاوزت الاقتصاد لتصبح أزمة معنى وانتماء.
ولعل الدرس الأعمق الذي تقدمه سبتة اليوم هو أن التنمية ليست مجرد ارتفاع في المؤشرات، بل هي شعور المواطن بأن مستقبله ممكن داخل وطنه، أما حين يغيب هذا الشعور، فإن البحر يتحول إلى فاعل صامت على العدالة الاجتماعية، وتصبح كل موجة هجرة سؤالا فلسفيا موجعا عن الإنسان، والعمل، والكرامة، أكثر مما هي مجرد قضية حدود وهجرة.
|
|