د.لحسن الجكاني / جديد انفو
أيها القارئ المحترم ، هل كنت تعلم أن القارة الإفريقية، التي تبلغ مساحتها حوالي 30 مليون كيلومتر مربع ، كانت تُعرض على معظم الخرائط بحجم لا يتناسب مع مساحتها الحقيقية؟ بل وكانت تُرسم أحياناً بحجم يضاهي جزيرة غرينلاند التي لا تتجاوز مساحتها 2.1 مليون كيلومتر مربع، أي أن إفريقيا أكبر منها بـ 14 مرة ، هذا التشويه ليس مجرد خطأ تقني، بل هو إرث استعماري ظل يؤثر في نظرتنا للعالم لعقود.
خريطة ميركاتور: عندما يخدعك الإسقاط.
تعود قصة هذا التشويه إلى عام 1569م، عندما طوّر رسام الخرائط جيراردوس ميركاتور إسقاطه الشهير ، حيث اعتبر هذا الإسقاط ثورياً في عصره، لأنه صُمم لخدمة الملاحة البحرية؛ وحيث حافظ على الزوايا والاتجاهات بشكل دقيق كما سبق و أن رسم ذلك الجغرافي المسلم الشريف الإدريسي، مما ساعد البحارة على رسم مساراتهم .
غير أن هذا التميز الملاحي كان له ثمن كبير، فالإسقاط الأسطواني لميركاتور يعمل على تضخيم المناطق القريبة من القطبين بشكل هائل، بينما تضغط المناطق القريبة من خط الاستواء، فكانت نتيجة ذلك أن أظهرت خريطته أوروبا وأمريكا الشمالية وروسيا كتلًا قارية عملاقة، بينما تقلصت مساحة إفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب آسيا بصرياً .
وبذلك لم يعد رسم الخرائط القارية مجرد مسألة هندسية، بل كانت وما زالت مسألة سياسية بامتياز.
خداع المستعمر وسرقة الهوية
لم تكن خريطة ميركاتور مجرد أداة ملاحية، بل كانت سلاحاً استعمارياً ناعماً، فقد خدمت هذه الخريطة، التي ولدت في ذروة التوسع الأوروبي، سردية الغرب الاستعمارية التي صغّرت من شأن القارة الإفريقية وأهميتها. وعندما ترى الشعوب، خاصة الأجيال الناشئة في المدارس، قارة إفريقية تبدو صغيرة مقارنة بأوروبا أو أمريكا، فإن ذلك يغرس لا شعورياً فكرة تهميشية عن حجم هذه القارة وإمكانياتها وثرواتها .
لم يقتصر التشويه الجغرافي على الخرائط فحسب، بل تعداه إلى رسم الحدود السياسية، ففي مؤتمر برلين عام 1884، اجتمع المستعمرون الأوروبيون ليقتسموا إفريقيا على الورق، دون أي حضور أو تمثيل أفريقي، وكانوا يمسكون بالمسطرة و القلم ويخطون حدوداً مستقيمة تعبر القبائل والأنهار والصحاري، فخلقوا كيانات هجينة أجبرت شعوباً متحاربة على العيش معاً، ومزقت شعوباً متجانسة بين دول متعددة، هذه الحدود المصطنعة هي التي ظلت تغذي صراعات إفريقيا الداخلية حتى اليوم .
التصحيح اليوم: انتصار للعدالة الإدراكية
في خطوة تاريخية، ونتيجة تطور نظم المعلوميات الجغرافية و التصوير الفضائي، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 4 سبتمبر 2026 قراراً بأغلبية ساحقة (164 صوتاً مقابل معارضة واحدة و6 امتناع) يدعو لاستخدام خرائط أكثر دقة، وتحديداً إسقاط "الأرض المتساوية" (Equal Earth) الذي يعكس المساحات الحقيقية، و يرجع الفضل لجمهورية التوغو التي قادت هذه المبادرة بدعم من الاتحاد الإفريقي، وجاءت ضمن إطار أوسع للعدالة وإعادة التوزان المعرفي .
الغريب في الأمر هو الموقف الأمريكي المعارض الوحيد لهذا القرار، فقد رأت الولايات المتحدة في القرار "مشروعاً أيديولوجياً راديكالياً" وأعربت عن رفضها له، لأن الخريطة الجديدة تجعل الولايات المتحدة وأوروبا تبدوان أصغر حجماً .
وهنا يكمن السؤال الأهم:
لماذا التصحيح اليوم من الأمم المتحدة تحديداً؟
و يبدو أن التفسير بسيط، إذ أن إفريقيا لم تعد ذلك الصامت الذي يُخطّط له، اليوم، ومع صعود قوى جديدة وتعددية عالمية، تمتلك الدول الإفريقية صوتاً ونفوذاً في المحافل الدولية (الصين، روسيا، بعض الدول الأوربية الولاياتالمتحدةالأمريكية و اللاعب الجديد و الخطير في السياسة الدولية :الكيان الصهيوني). فهذا التصحيح هو جزء من معركة أكبر لاستعادة السردية وتحدي الهيمنة المعرفية الغربية، وهو اعتراف متأخر جدا بأن الخرائط ليست محايدة، وأن التمثيل الجغرافي العادل هو خطوة أولى نحو تمثيل سياسي واقتصادي عالمي عادل، وكما قال وزير الخارجية التوغولي روبرت دوسي: "الخريطة العادلة لا تغير الجغرافيا، لكنها تغير الطريقة التي نرى بها العالم" .
إنه يوم يُعيد فيه التاريخ توازنه قليلاً، فهل سيعيد الجميع النظر في خرائطهم؟.
|
|