زايد جرو ـ الرشيدية /جديد انفو 

ليست المشكلة أن يركض آلاف الشباب نحو سبتة المحتلة، بل الإشكال أن يركضوا وهم يعتقدون أن الوطن انتهى عند آخر شارع ، وأن الكرامة تبدأ عند أول خطوة فوق أرض المستعمر.

لم يكن المشهد مجرد هجرة جماعية، بل كان جنازة صامتة لمنظومة كاملة من القيم. كانت الأحذية المبعثرة على الطرقات أكثر بلاغة من كل الخطب، وكانت الدموع التي خلفتها الأمهات أصدق من كل التحليلات السياسية، حيث انكسر شيء عميق في الروح المغربية.

بالأمس، كانت الأسرة وطنًا مصغرا وكانت "اللَّمَّة" مؤسسة تصنع الإنسان قبل أن تصنع المواطن. كان الأب سلطة أخلاقية لا سلطة خوف، وكانت الأم جامعة للمحبة والدعاء، وكانت المائدة البسيطة تُخرج رجالا ونساء يعرفون أن الكرامة ليست فيما يملكون، بل فيما يمثلون.

كان الخبز يابسا، لكن القلوب كانت رطبة ،وكانت الثياب متواضعة، والنفوس كانت مكسوة بالعزة،وكانت المدرسة تربي قبل أن تعلم، والكتاب يبني ، والقرية تصنع الانتماء، والوطن يعيش في تفاصيل الحياة اليومية.

ثم جاء زمن الاستهلاك... زمن الصورة التي هزمت الأسرة، والإعجاب الإلكتروني الذي هزم احترام الأب، حتى صار كثير من الشباب يعرف أسماء المؤثرين أكثر مما يعرف اعمامه وأخواله وعلماء بلاده و تاريخ وطنه.

وسط هذا التحول، لم يعد بعض الأبناء يرون في الوطن مشروعا يستحق الصبر، بل صار عندهم مجرد محطة مؤقتة، بينما تحولت الضفة الأخرى إلى أسطورة تُباع كل يوم على شاشات الهواتف، ولو كانت الحقيقة هناك أشد قسوة مما يتخيلون.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن كثيرا من هؤلاء الشباب لا يهربون عبثًا، فبعضهم أثقل كاهله الإحباط، وضيق الفرص، والخوف من المستقبل. لذلك فإن معالجة الظاهرة لا تكون بإدانة الشباب وحدهم، ولا بإعفائهم من المسؤولية، بل بفهم الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والتربوية التي تدفع بعضهم إلى هذا الخيار.

إن الوطن لا يُختزل في حكومة، ولا في وظيفة، ولا في ظرف اقتصادي عابر، بل الوطن هو الذاكرة واللغة والقبور التي يرقد فيها الأجداد، وهو دعاء الأم حين يغلق الليل أبوابه، وهو اليد التي تمتد لتنهض بجارك إذا تعثر.

لن تنقذنا الأسوار، ولن تنقذنا الشعارات، إذا بقيت الأسرة تتآكل، والمدرسة تفقد رسالتها، والشباب يفقدون الثقة في المستقبل، فالأوطان تُبنى عندما يشعر أبناؤها أن لهم مكانا فيها، وأن كرامتهم يمكن أن تتحقق فوق ترابها.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الجميع ليس: لماذا رحل الشباب إلى سبتة؟ بل: كيف وصلنا إلى زمن أصبحت فيه "اللَّمَّة" ذكرى، وصار المنفى عند بعض الأبناء أكثر دفئًا من البيت؟