زايد جرو -ألنيف /جديد انفو

بألنيف وبقلب الأعراس الجماعية لم تكن حافلة العرائس مجرد وسيلة لنقل الفرح، ولم تكن مليكة  المرأة الأمازيغية  من واكليم  التي جلست خلف مقود حافلة 'بوگافر '  مجرد سائقة عادية  تؤدي مهام عابرة،بل  كان المشهد، في عمقه الرمزي، صورة تختصر تحولات عميقة عاشتها المرأة الأمازيغية بالجنوب الشرقي، وهي تحافظ في ذات الوقت على لباسها التقليدي وأناقتها وذاكرتها الجماعية.

بلباسها الأمازيغي الأصيل، وحضورها العميق، قادت المرأة حافلة العرائس وسط أجواء احتفالية استثنائية، بينما كانت العيون تلاحق المشهد بإعجاب ودهشة، ولم يكن في قيادتها ما يوحي بالتردد أو الخوف، بل أمسكت بالمقود كما يمسك به المحترفون من الرجال والمحترفات من النساء على الطرقات، وانطلقت في مسار الاحتفال وكأنها تردد، دون خطب ولا شعارات: أنا بأسامر وببلدتي أقود الفرح كما أقود تفاصيل الحياة في أيامي العادية'.

الحاضرون الذين حجوا للملتقى السنوي  كانوا أمام صورة تتجاوز بعدها الاحتفالي ،صورة لامرأة أمازيغية تصالح بين الأصالة والحاضر، وبين لباس الجدات ومتطلبات الحياة الجديدة. فاللباس التقليدي لم يكن عائقاً أمام القيادة، بل بدا جزءا من المشهد، وكأن الحداثة هنا لا تحتاج إلى أن تتخلى المرأة عن ذاكرتها كي تكون حاضرة فيها.

في الجنوب الشرقي، لطالما كانت المرأة حاضرة في صلب الحياة اليومية، حتى وإن لم تكن الأضواء مسلطة عليها.من البيت إلى الحقل، ومن جلب الماء إلى تربية الأبناء، ومن تدبير شؤون الأسرة إلى الدراسة والعمل، راكمت المرأة الأمازيغية خبرة طويلة في الصبر والمواجهة وتحملت المسؤولية رغم الأعباء بالواحات.

واليوم تضيف لهذه الوظائف مهام أخرى: القيادة، والتعليم، والعمل، والمشاركة في الحياة العامة، والانخراط في مختلف المهن والمجالات، ولذلك فإن صورة المرأة خلف مقود حافلة العرائس ليست صورة غريبة عن بيئتها، بقدر ما هي امتداد طبيعي لشخصية نسائية ظلت، جيلاً بعد جيل، تصنع قوتها من تفاصيل الحياة اليومية.

إنها المرأة التي قطعت المسافات لجلب الماء، وسارت في تضاريس قاسية للوصول إلى المدرسة، واشتغلت في الحقول، وربت أبناءها في ظروف صعبة، وحملت على كتفيها أعباء الأسرة، ثم وجدت لنفسها مكاناً خلف مقود السيارة والحافلة، وفي المدرسة والإدارة والمجال الثقافي والجمعوي.

ولعل قوة المشهد في أعراس ألنيف لم تكمن تحديدا في هذا التزاوج الجميل بين المرأة التي تقود المستقبل والمرأة التي تحمل الماضي ،فاللباس هنا ليس مجرد زينة، والغناء ليس مجرد مرافقة للفرح، والجمال ليس مجرد مظهر احتفالي؛ فكلها عناصر من منظومة ثقافية تؤكد الانتماء، وتعيد إنتاج الذاكرة، وتمنح المناسبة معناها الاجتماعي والقبلي.

وفي ملتقى العرائس، تحول الفرح إلى مناسبة لإعلان الانتماء أيضاً. فالقبيلة والمجتمع التقليدي الأمازيغي لا يحتفلان بالزواج باعتباره علاقة بين فردين فقط، بل باعتباره حدثاً جماعياً تتقاطع فيه الأسرة والقبيلة والذاكرة والهوية، لذلك يصبح حضور النساء والرجال، واللباس والغناء والزغاريد والطقوس، جزءاً من مسرح اجتماعي كبير يعيد فيه المجتمع اكتشاف نفسه، إنها صورة لامرأة لا تريد أن تختار بين الأصالة والحداثة، بل تجمعهما في مشهد واحد ،لهذا السبب أثار المشهد إعجاب الحاضرين. لأنهم لم يروا امرأة تقود حافلة فقط، بل رأوا صورة لامرأة أمازيغية تتقدم إلى الأمام وهي تحمل تاريخها معها.