زايد جرو الرشيدية /جديد انفو

تجسد هذه الصورة في ظاهرها، ثلاث  عرائس بلباس تقليدي أمازيغي، وفي عمقها تختزن سردية اجتماعية وثقافية تمتد لقرون بواحات الجنوب الشرقي المغربي. فحجب وستر الوجوه ليس مجرد زينة عند الأمازيغ، بل هو إعلان عن انتقال المرأة من مرحلة إلى أخرى، حيث يمتزج الحياء بالرمزية، وتصبح العروس ممثلة لقبيلتها وأسرتها أكثر من كونها فردا مستقلا.

إن العرس الجماعي الأمازيغي في الجنوب الشرقي، سواء في مناطق تافيلالت أو الأطلس الشرقي أو واحات درعة، بشكل عام ليس مجرد احتفال بزواج عدد من الأزواج في يوم واحد، بل هو مؤسسة اجتماعية متكاملة تعكس فلسفة التضامن والتكافل داخل المجتمع القبلي.

فاللون الأحمر الذي يهيمن على غطاء الرأس يرمز إلى الفرح والحياة والخصوبة، بينما تحضر القلائد التقليدية بوصفها شواهد على الهوية المحلية، لا باعتبارها زينة فحسب، بل لغة بصرية تختزل الانتماء القبلي والمكانة الاجتماعية. أما اللباس الأبيض فيرمز إلى الصفاء وبداية حياة جديدة، فيما تكشف الزخارف والأقمشة عن الذاكرة الحرفية للمرأة الواحية التي حافظت على تقنيات النسج والتطريز عبر الأجيال.

ومن زاوية أنثروبولوجية، فإن العرس الجماعي يؤدي وظائف تتجاوز الزواج نفسه، إذ يرسخ قيما متعددة منهاالتضامن بين الأسر والقبائل وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الشباب والمحافظة على الطقوس الجماعية في مواجهة النزعة الفردانية وإعادة إنتاج الهوية الأمازيغية عبر اللباس والموسيقى والرقص والطقوس.

فهذا النوع من الأعراس يمثل مناسبة لإعلان السلم والتآخي بين العائلات والقبائل، والمصاهرة في الثقافة الأمازيغية ليست علاقة بين شخصين فقط، بل هي عقد اجتماعي بين مجموعتين، يوسع شبكة القرابة ويقوي النسيج الاجتماعي.

وبالجنوب الشرقي، حيث تفرض الطبيعة القاسية وشح الموارد أشكالاً خاصة من التعاون، يظل العرس الجماعي وسيلة لمواجهة الكلفة المادية للزواج، وتحويل الفرح من شأن فردي إلى احتفال جماعي تتقاسم فيه القبيلة المسؤولية والبهجة معاً.

غير أن لهذه الصورة بعدا آخر، فهي تطرح سؤالا حول مستقبل هذا التراث أمام التحولات الحديثة، فمع انتشار أنماط الأعراس الفاخرة وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت بعض الطقوس الأصيلة تتراجع، بينما لا يزال العرس الجماعي يقاوم باعتباره أحد آخر الحصون التي تحفظ الذاكرة الجماعية للواحات،لذلك، فإن هذه الصورة ليست مجرد ثلاث عرائس تقفن في صف واحد، بل هي صفحات من كتاب الهوية الأمازيغية، كتاب تكتبه النساء بأزيائهن، وتزكيه القبيلة بتقاليدها، وتحفظه الذاكرة الشعبية جيلاً بعد جيل. إنها صورة تؤكد أن الزواج في الجنوب الشرقي لم يكن يوماً مناسبة شخصية فحسب، بل كان مشروعاً مجتمعياً يعيد إنتاج قيم الانتماء والتضامن، ويجعل من الفرح لغة جماعية تتوارثها القبائل كما تتوارث الأرض والواحات والأسماء.