حسن كجوط - جديد انفو
بعدما صدر له عدد من الكتب والدراسات التي ينصب اهتمامها على مجال العلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية، انتقل الباحث في العلاقات الدولية والدبلوماسي المغربي الدكتور إبراهيم أونير هذه المرة إلى الكتابة في مجال الأنثروبولوجيا والتاريخ الاجتماعي، من خلال مؤلف جديد اختار له عنوان "حياتي في القصر"، في عودة إلى طفولته الأولى وإلى المكان الذي شهد بدايات تكون شخصيته، بقصر أولاد عميرة بأوفوس، في قلب واحة زيز بمنطقة تافيلالت.
ويقع الكتاب في أكثر من 100 صفحة من الحجم المتوسط، ويقدم، من خلال السيرة الشخصية للكاتب، صورة عن حياة الإنسان الواحي في واحة الرتبات بأوفوس ومجتمعات الجنوب الشرقي المغربي، مستحضرا نمط العيش، والعلاقات الاجتماعية، والعادات، والتحولات الاقتصادية والثقافية التي عرفتها المنطقة، فضلا عن تفاصيل الحياة اليومية للأطفال والشباب، وخاصة ما ارتبط بالدراسة والطفولة وبداية الانفتاح على العالم الخارجي.
ولا يبدو أن "حياتي في القصر"كما يقول الكاتب مجرد كتاب في ذكريات الطفولة أو سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، بل هو عمل يتقاطع فيه السوسيولوجي بالأنثروبولوجي والتاريخي، إذ يحاول الكاتب من خلال ذاكرته الشخصية أن يلتقط ملامح مجتمع واحاتـي عاش خلال عقود، انتقالا تدريجيا من منظومة اجتماعية تقليدية تقوم على الأسرة والجماعة والتضامن، إلى مجتمع بدأت المدرسة والهجرة والتحولات الاقتصادية ووسائل الاتصال الحديثة تعيد تشكيل بنياته وعلاقاته ونظرته إلى المستقبل.
من خلال عناوين فصول الكتاب التي تفوق عددهم 20 عنوانا تكشف عن طبيعة هذا العالم الذي يستعيده الكاتب من الذاكرة: من القصر والوادي والنخيل والماء والعمل، إلى المدرسة والمراهقة وبدايات التحرر، ثم الهجرة والرحيل والصراع بين التقليدي والحديث، مروراً بشخصيات وأحداث يومية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحول في الكتاب إلى مفاتيح لفهم مجتمع بأكمله.
ومن بين هذه العناوين، تحضر صورة القصر باعتباره فضاء للعيش المشترك والذاكرة، والنخيل باعتباره عنصرا أساسيا في اقتصاد الواحة وحياة سكانها، والمدرسة باعتبارها بوابة العبور إلى عالم جديد، فيما تكشف عناوين أخرى عن حضور السلطة والعائلة والعلاقات الاجتماعية والهجرة والتحولات التي عرفها الجنوب الشرقي عبر الزمن.
قراءة بصرية في لوحة الغلاف: تخليد لمسقط الرأس
تكتسب لوحة غلاف الكتاب دلالة خاصة، إذ تتصدر واجهته صورة مرسومة بدقة تجسد الملامح المعمارية الأصيلة لقصر واحاتـي تقليدي، في إشارة بصرية مباشرة إلى مسقط رأس الكاتب، قصر أولاد عميرة بأوفوس في تافيلالت.
وتبرز اللوحة الأسوار الطينية الشاهقة والأبراج الدفاعية، إلى جانب المدخل المقوس بزخارفه المميزة لعمارة القصور العتيقة، بينما تحتضن فضاءها حركة إنسانية تجسدها شخصيات تلتقي قرب البوابة وأخرى تسير في ساحتها الترابية.
ولا تبدو هذه اللوحة مجرد اختيار جمالي لواجهة الكتاب، بل تحمل دلالة تتصل بالهوية والذاكرة المادية للمكان الذي شكل المهد الأول للكاتب، كما تختزل صورة مجتمع واحاتـي عاش طويلا في إطار من العيش المشترك والتضامن وروابط الجماعة، قبل أن تبدأ التحولات الاجتماعية والاقتصادية ومظاهر الحداثة في إعادة تشكيل ملامحه.
ومن هذه الزاوية، يصبح الغلاف مدخلا بصريا إلى الكتاب نفسه؛ فهو يعيد القارئ إلى المكان الذي انطلقت منه الحكاية، وإلى القصر الذي ظل حاضرا في ذاكرة الكاتب رغم مساره الطويل في الدراسة والبحث والعمل الدبلوماسي.
اختار الكاتب إبراهيم أونير أن يبدأ هذا الاستحضار بمشهد شديد الرمزية، يتمثل في قصة المسجد العتيق لقصر آيت خباش الذي كان مهددا بالهدم لإفساح المجال أمام بناء مسجد جديد، ومن خلال هذا الحدث، يفتح الكاتب سؤالا أوسع حول معنى التحول: ماذا يحدث عندما تدخل الحداثة إلى مجتمع ظل لزمن طويل محافظا على بنيته التقليدية؟ وماذا يخسر المجتمع، وماذا يربح، وهو ينتقل من زمن إلى آخر؟
فالكتاب لا يتعامل مع الماضي باعتباره زمنا مثاليا، ولا يحاول تقديم حياة الواحة في صورة رومانسية خالية من الصعوبات، على العكس من ذلك، يبدو أن الكاتب يسعى إلى النظر إلى الماضي من مسافة زمنية تسمح بالمقارنة، وإلى توثيق الطريقة التي عاش بها جيل سابق، وكيف واجه شظف العيش، وطلب العلم، والعمل، والهجرة، وتغير أنماط الحياة.
ومن هنا تتخذ "حياتي في القصر" بعدا يتجاوز السيرة الشخصية، لتصبح محاولة لحفظ جانب من ذاكرة الجنوب الشرقي المغربي، وخاصة ذاكرة المجتمعات الواحية التي عرفت خلال العقود الماضية تحولات متسارعة، بفعل التغيرات المناخية، كان لها أثر مباشر على الأسرة والعمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية.
وإذا كان إبراهيم أونير قد أمضى جزءا كبيراً من مساره العلمي والمهني في دراسة العلاقات الدولية، والاشتغال على العلاقات المغربية الروسية والتحولات الجيوسياسية، فإن هذا الكتاب يأخذه هذه المرة إلى جغرافية مختلفة تماما ك جغرافية الطفولة والذاكرة والواحة.
إنه انتقال من العالم إلى القصر، ومن الجيوسياسة إلى الإنسان، ومن العلاقات بين الدول إلى العلاقات داخل مجتمع واحاتـي صغير، لكنه في العمق يظل بحثا عن الإنسان في سياقه الاجتماعي والتاريخي.
ومن خلال أكثر من مائة صفحة التي يتألف منها الكتاب، يستعيد الكاتب عالما من الشخصيات والأحداث والطرائف والوقائع، ويعيد تركيب تفاصيل الحياة في القصر: من النخيل والماء والعمل، إلى المدرسة والمراهقة، ومن العلاقات العائلية والاجتماعية إلى الرحيل نحو مدن وفضاءات أخرى.
وبذلك، يبدو "حياتي في القصر" محاولة لاستعادة ما قد يختفي مع مرور الزمن، ليس فقط من ذاكرة الكاتب، وإنما من ذاكرة جيل كامل عاش بين عالمين: عالم القصر والواحة والتقاليد، وعالم المدرسة والانفتاح والهجرة والحداثة.
إنه كتاب يعود فيه الدبلوماسي والباحث إلى بداياته، لا ليهرب من الحاضر، وإنما ليقرأ الحاضر من خلال الماضي، ويترك للأجيال المقبلة شهادة عن زمن كانت فيه الواحة فضاء للحياة والعمل والتضامن، قبل أن تبدأ ملامح عالم جديد في التشكل.
"حياتي في القصر"... كتاب عن مكان صغير، لكنه يحمل في داخله حكاية جيل، وذاكرة واحة، وتحولات مجتمع بأكمله.
|
|