جديد انفو /متابعة

بعد مرور نحو سنة على تدشين السد التحويلي بسيدي أحمد بن المدني بجماعة الريصاني إقليم الرشيدية ، المندرج ضمن مشروع تحويل مياه الفيض من وادي غريس نحو ضاية مرزوكة، عبر سد مقطع الصفا وقنوات تحويل المياه، وضعت التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدتها المنطقة خلال الأسبوع الجاري هذا المشروع أمام اختبار ميداني حقيقي، أعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول مدى جاهزيته للقيام بالدور الذي أُنجز من أجله.

فالمشروع الذي رُصد له استثمار إجمالي يفوق 85 مليون درهم، وفق بطاقته التقنية، كان يُنتظر أن يشكل رافعة أساسية لتحسين تدبير الموارد المائية وتثمينها، والحد من ضياع مياه الفيض، فضلا عن حماية الغطاء النباتي ودعم استدامة واحات مرزوكة ومقطع الصفا، في منطقة تواجه تحديات متزايدة بفعل الجفاف والتصحر والتغيرات المناخية.

وبحسب المعطيات التقنية المعلنة، يهدف المشروع توفير مياه السقي لمساحة تقدر بنحو 1.194 هكتاراً بجماعتي الريصاني والطاوس، في انسجام مع أهداف استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030، الرامية إلى تعزيز استدامة القطاع الفلاحي وتحسين تدبير الموارد الطبيعية.

غير أن المشهد الذي رافق تدفق مياه وادي غريس خلال الأيام الأخيرة أثار مخاوف وتساؤلات في أوساط الساكنة المحلية، فقد بدا السد التحويلي، بحسب ما تعكسه الصور المتداولة من المنطقة، محاصرا بتدفقات المياه ،وكادت المياه ان تحوله بدل ان يحولها نحو السواقي، فظهرت مؤشرات تثير القلق بشأن مدى ثبات المنشأة وقدرتها على مواجهة الحمولات المائية القوية مما يستوجب التوسيع من الجوانب لتقليل الضرر حتى لا يغير الماء مساره وبناء جدار حتى مقربة الجبل  حفاظا على السد حيث تبدو الابواب  حاليا لا تقوم بوظائفها امام الكمية الكبيرة من المياه .

وبدل أن تشكل هذه الظروف فرصة لإبراز نجاعة المشروع في تحويل مياه الفيض وتوجيهها، نحو المناطق المستهدفة فقد  أثارت المشاهد تساؤلات حول فعالية المنشأة، ومدى ملاءمة موقعها وتصميمها الهندسي لطبيعة حمولات واد غريس المعروف بتقلب حمولته المائية خلال فترات التساقطات المهمة.

كما تبرز الحاجة إلى التحقق من مدى سهولة الولوج إلى آليات التحكم في فتح وإغلاق أبواب السد أثناء ارتفاع منسوب المياه، باعتبار ذلك عنصرا أساسيا لضمان التشغيل الآمن والفعال للمنشأة في الظروف المناخية الاستثنائية.

وإذا كانت الصور وحدها لا تكفي للحسم في السلامة فإنها تفرض، في المقابل، ضرورة إجراء معاينة ميدانية دقيقة من طرف الجهات المختصة، لتقييم أدائه ومدى استجابته للأهداف التي حُددت له عند إطلاق المشروع.

إن حجم الاستثمار المرصود لهذا المشروع يجعل من حق الساكنة والفاعلين المحليين التساؤل عن مدى تحقق الأهداف المعلنة، وعن قدرة المنشأة على تحويل مياه الفيض من خطر موسمي يهدد المجال الواحي إلى مورد مائي يعزز الأمن الغذائي و المائي والفلاحي بالمنطقة.

فالمشاريع المائية الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية المخصصة لها، ولا بمراسم التدشين، بل بمدى قدرتها على أداء وظائفها في الظروف التي أُنشئت لمواجهتها. وتظل الفيضانات اختبارا عمليا لمدى ملاءمة الدراسات التقنية، واختيار الموقع، ونجاعة آليات التشغيل والصيانة.

وفي خضم هذه التساؤلات، تلتمس ساكنة مقطع الصفا توسيع السد من الجوانب  والتقوية بجدار، بما يسمح، بحسب تصورها، من تحسين قدرته على استقبال المياه وتوجيهها نحو المسارات المخصصة لها، وضمان استفادة مختلف المناطق المستهدفة من المشروع.

ويظل هذا المقترح، وإن كان يعبر عن مطلب محلي مشروع، محتاجا إلى تقييم تقني من طرف المختصين لتحديد مدى ملاءمته، ومدى تأثيره على سلامة المنشأة وانسيابية المياه، قبل اعتماد أي تدخل أو تعديل هندسي.

كما ينتظر من الجهات المشرفة على المشروع والمصالح التقنية المختصة توضيح حقيقة الوضع، وإجراء تقييم ميداني لمدى قدرة السد على أداء وظيفته، مع اتخاذ التدابير الضرورية لضمان الاستفادة من مياه الفيض في خدمة المجال الواحي والفلاحي.

 

إن الرهان اليوم لا يتعلق بمجرد تسجيل ملاحظات عابرة على منشأة مائية، بل بمستقبل مشروع استراتيجي يعول عليه سكان المنطقة في مواجهة ندرة المياه وصون أشجار النخيل والغطاء النباتي فإذا كانت استراتيجية الجيل الأخضر تراهن على فلاحة مستدامة، فإن هذه الاستدامة تقتضي مشاريع مائية قادرة على الصمود أمام التقلبات المناخية، وتحويل الموارد المائية المتاحة إلى فرص حقيقية للتنمية، بدل أن تبقى الأهداف المعلنة رهينة التساؤلات التي تثيرها أولى الاختبارات الميدانية.فالواحات لا تحتاج إلى مشاريع تُدشّن فحسب، بل إلى منشآت تصمد حين تأتي المياه، وتؤدي وظيفتها حين تكون الحاجة إليها أكبر.