محمد جرو -الطنطان /جديد انفو

آن الأوان للدولة المغربية والمجتمع المدني أن يعيدا الإعتبار لشهداء بوگافر وشخوصها ومنهم عسو أوبسلام ورفاقه و باقي شهداء الوطن في كافة قمم الجبال و الشعاب و الصحاري أقل إعتراف ،هو بإقامة نصب تذكاري وطني، وإدراج المعارك التاريخية في المناهج التعليمية، وتنظيم إحتفالات رسمية تليق بملحمتهم، و إلزام فرنسا أن ترد الإعتبار و تعتذر عن جرائمها و تكرم مقاتلين تصدو لها بكل ثقة و كرامة و شجاعة،بل ودافعوا عنها في معارك “لاندوشين”وغيرها وإقامة مشاريع تنموية “تعويضية”..

ففي 12 فبراير الجاري 2026، شهدت منطقة ألنيف بإقليم تنغير تدشيناً رسمياً لمقبرة عسكرية ومربع عسكري تم ترميمهما بالكامل، بحضور مسؤولين مغاربة وفرنسيين بارزين ،هذا الحدث، الذي أشرفت عليه وزارة الجيوش الفرنسية بالشراكة مع المكتب الوطني لقدماء المحاربين وضحايا الحرب بالمغرب، يُعد خطوة في إطار “تثمين الذاكرة التاريخية المشتركة” بين البلدين، وفق ما أعلنته السفارة الفرنسية بالرباط،لكن ما يثير الإستغراب والإستنكار لدى الكثيرين هو أن هذا التكريم الرسمي المشترك ركز بشكل أساسي على صون رفات وذاكرة بعض الجنود الفرنسيين و السينغاليين و الجزائريين و المغاربة الذين سقطوا ضمن صفوف القوات الفرنسية (الگوم)، حيث يضم الموقع قبور 15 جندياً مغربياً من هؤلاء الذين سقطوا خلال معركة بوگافر (13 فبراير – 25 مارس 1933). في المقابل، يبدو أن الجانب الفرنسي حرص على تخليد ذكرى جنوده الذين قتلوا في تلك المعركة نفسها، ضمن سياق “الذاكرة المشتركة” التي تُروج لها باريس اليوم كجزء من تعزيز العلاقات الثنائية.

معركة بوگافر تظل واحدة من أبرز ملاحم المقاومة المغربية ضد الإستعمار الفرنسي خاضتها قبائل أيت عطا قادها ببسالة أسطورية عسو أوباسلام ورجاله حيث تصدت لهجوم فرنسي ضخماً مدعوماً بالمدفعية والطيران لأسابيع طويلة،أسفرت المعركة عن خسائر فادحة للجيش الفرنسي بلغت حوالي 3500 قتيل (بينهم 10 ضباط على الأقل)، مقابل نحو 1300 شهيدا من المقاومين المغاربة، فضلاً عن سقوط آلاف المدنيين وفقدان المواشي والممتلكات.

رغم هذه البطولة التاريخية، والتي تُعد رمزاً للكرامة الوطنية والصمود الأمازيغي في وجه الإحتلال، لم تقم الدولة المغربية حتى اليوم بأي تكريم رسمي واسع النطاق أو إحياء لذكرى شهداء بوگافر بمستوى يليق بتضحياتهم،إلا من نشرات باهتة وإشارة للمعركة بشكل قد يكون ” محتشما” أو لتأثيت نهاية النشرات ليس إلا ..كما أن فرنسا الحريصة على صون التاريخ المشترك بدمويته و سلامه لم تكلف نفسها عناء الندم و الإعتذار و لو بتكريم المحاربين الأمازيغ الذين قاتلوها بشرف المحارب بنصب تذكاري بارز، يعترف بكرامتهم و شجاعتهم في الدفاع عن إستقلالهم…ولا احتفال رسمي سنوي يستحضر جسامة تلك التضحيات خارج المراسيم اليروتوكولية ،أيضا ولا برامج تربوية أو ثقافية تُبرز دورهم في مسار التحرير الوطني.

الجهود الرسمية تبقى محدودة أو غائبة تقريباً في هذا السياق، بينما ينشط المجتمع المدني والفعاليات المحلية أحياناً في إحياء الذكرى بشكل عفوي أو فردي.

أما اليوم، فإن تدشين مقبرة تُخلد فيها ذكرى جنود سقطوا في صف الإستعمار (حتى لو كانوا مغاربة و أفارقة مجندين)، بينما يُهمل تكريم الشهداء الحقيقيين الذين دافعوا عن الأرض والحرية، يُثير تساؤلات عميقة حول أولويات الذاكرة الوطنية،فقد تساءلت فعاليات مدنية بمنطق الإستفزاز للأسئلة ،هل يُعقل أن تتقدم فرنسا بخطوات ملموسة لتخليد “ذاكرتها” في أرضنا، بينما يبقى أبطال المقاومة المغربية في طي النسيان الرسمي؟ و رفاتهم بين الشعاب و في الفيافي دون إحصاء و معرفة رسمية،ومنهم جنود الصحراء المغربية..؟

هذا التناقض ليس مجرد إغفال تاريخي، بل هو إشارة إلى خلل في بناء الهوية الوطنية والإعتزاز بالتضحيات التي مهدت للإستقلال.

فالتاريخ لا يُكتب بمنظور الآخرين فقط، بل بصوت أبنائه الأصليين أولاً.

و في الأخير كما حرصت فرنسا على تكريم من سقطوا من جانبها من أجل مجد فرنسا علينا أن نسعى لنكرم من سقط منا حاميا لمجد الوطن و وحدة ترابه….بعيداً عن كل مزايدات سياسية.