لحسن الجكاني */جديد انفو

على إثر الحدث المؤلم الذي فجره الموقع الالكتروني جديد انفو وصفحة موحا جيوغرافي المتعلق بذبح ستة من جراء الذئب بسافلة تافيلالت، والتي أظهرت فجوة كبيرة بين منطق حماية الحياة البرية ومعاناة الرُّحل مع الحيوانات المفترسة، لا يمكننا إلا أن ننطلق من هذه الصدمة لنعيد صياغة السؤال الأساسي: كيف نحمي التنوع البيولوجي دون أن نتصادم مع احتياجات الإنسان الذي يسكن هذه المساحات الشاسعة؟

يجب أن نفهم أولا ذهنية سكان الصحراء والرحالة، فعندما يرى الرجل "الرحالي" ذئباً أو ضبعاً أو كلباً ضالاً يفتك بأغنامه، أو عقرباً أو أفعى تهدد أطفاله، فإنه لا يفهم ولا يفكر للحظة في "انقراض الأنواع !، كل ما يعنيه هو خسارة حقيقية وملموسة (لحم كان سيأكله، حليبا كان سيشربه، أو ثمنا كان سيبيع به، وأحياناً حياة حيوان هو شريك رزقه وعمره)، بالنسبة له، قتل هذا "العدو" هو دفاع شرعي، بل لربما واجبا، و ليس جريمة ! إن استمرار مثل هذه الأحداث رغم القوانين الزجرية (كالظهير الشريف رقم 1.11.84 بتنفيذ القانون 29.05) يثبت أن التوعية التقليدية والردود الأمنية وحدها غير كافية، إذ الحل الأمثل يكمن في تحويل هؤلاء السكان من "مشكلة" إلى جزء من "الحل"، مع الاعتراف المسبق بمعاناتهم الحقيقية، لذا أعتقد أن التوصيات التالية أكثر نجاعة وأبلغ أثرا.

أولاً: الاعتراف بالضرر وإعادة بناء الثقة: إذ يتوجب على الجمعيات البيئية والسلطات المحلية أن تبدأ بالاعتراف صراحةً بأن الرحالة يعانون من خسائر حقيقية ومتعددة، فالذئاب والكلاب الضالة تفتك بمواشيهم (أغنام، ماعز، وأحياناً الجمال)، كما أن الأفاعي والعقارب تهدد حياتهم وحياة أطفالهم، وتقتل أحياناً حيواناتهم الصغيرة، فقبل أن يطلب منهم حماية هذه الكائنات، يجب التفكير في تعويض خسائرهم أثناء حدوثها، فبدون تعويض عادل وسريع، ستظل القوانين البيئية حبراً على ورق في ثقافة تعتمد على "الأخذ بالثأر" لحماية الرزق والسلامة.

ثانياً: إدماج الرحالة في نظام "الحارس المحلي" للتنوع البيولوجي: وهي من منظورنا أحسن طريقة لحماية الحياة الفطرية، بجعل من يعيشون معها شركاء في حمايتها، ويتم ذلك عبر توظيفهم كمرشدين وحراس طبيعة بأجر أو منح موسمية، والاستفادة من معرفتهم بمسالك الحيوانات ومصادر المياه وأماكن أوكار الذئاب والضباع والثعالب وطائر الحبار و الغزال و الضب و غيرها من حيوانات البيئة الصحراوية، بل وأماكن تواجد الأفاعي والعقارب التي يريدون هم أنفسهم التخلص منها، وإشراك شيوخ القبائل في لجان القرار المحلية المتعلقة بإدارة الموارد الطبيعية، بدل فرض حلول من أعلى لا تفقه شيئاً عن خسائر ماشيتهم التي قد يفترسها الذئب.

ثالثاً: تحميلهم المسؤولية عبر التنمية المستدامة (لا عبر التهديد): إذ لا يمكن تحميل أي إنسان مسؤولية حماية حيوان يفترس ماشيته أو يهدد سلامته، ما لم تكن هناك منفعة ملموسة تعوضه لذلك كان من المستحسن إنشاء تعاونيات سياحة بيئية يديرها الرحالة أنفسهم، تعتمد على رصد الذئاب، الضباع، و ثعلب "الفينينك" كمصدر لجذب السياح وعشاق التصوير، بحيث تصبح الذئبة الحية أكثر قيمة من جلدها الميت، وتصبح "الأفعى" جزءاً من نظام بيئي يمكن استغلالها في البحث العلمي أو استخلاص الترياق المضاد لسمومها أو شرح ذلك للزوار والسياح، بدلاً من كونها مجرد خطر يُقتل فورا، أو من خلال توفير صناديق تعويض سريعة تدعمها الدولة والمانحون، لتعويض مربي الماشية عن أي هجوم للذئاب أو الضباع أو الكلاب الضالة، بشرط الإبلاغ الفوري وعدم قتل الحيوان الذي لا يشكل خطرا كالكلاب المسعورة، وكذلك تعويضهم عن أي حيوان يموت بسبب لسعة عقرب أو أفعى.

رابعاً: إرشادهم كبديل عن التخويف (واحترام عقولهم) فبدلاً من حملات التوعية التي تزيدهم شعوراً بالذنب وتصطدم بذهنيتهم العملية، يجب تنظيم أوراش تطبيقية في الخيام والمضارب لتعليم تقنيات رعوية حديثة مثل سياجات متنقلة، كلاب حراسة متخصصة، أنوار ليلية رادعة، نثر مواد طاردة طبيعية للأفاعي حول المضارب وتحمي القطيع والعائلة دون الحاجة لقتل الذئاب و الثعالب.

وكذلك التعريف بحقوقهم وواجباتهم القانونية بطريقة عملية ومبسطة، مع شرح واضح لعقوبات الذبح أو القتل غير المبرر أو الصيد غير القانوني، مع تقديم دعم قانوني مجاني لأي "رحالي" يثبت دفاعه عن نفسه أو عن ماشيته ضد هجوم حقيقي (من ذئب، ضبع، كلب ضال، داخل خيمته أو في حماه ومضربه).

خامساً: توثيق وحماية الأنواع الأخرى مع مراعاة الضرر، فالحادثة تشير أيضاً إلى إمكانية استهداف "ثعلب الفينينك"، لذلك يجب التوسع في إطلاق برنامج "حراس الصحراء" حيث يتطوع شباب القبائل لمراقبة أوكار هذه الحيوانات، مقابل حوافز عينية (مواد غذائية، أدوية بيطرية، وأكياس علف لمواشيهم التالفة بسبب هجوم)، وإحياء الأعراف القبلية الحامية التي كانت تمنع الصيد في مواسم التكاثر، ودمجها مع النصوص القانونية الحديثة، مع استثناء واضح لحالة "الدفاع عن النفس أو الماشية" ليكون الرحل مطمئنين.

وبفهم الذهنية المحلية للرحل يصير ما حدث في تافيلالت ليس مجرد "مشهد فظيع" ، بل هو سوء فهم و إفلاس لنموذج الحماية، و هو أيضا تجاهل لحقيقة أن الرحل لا يعيشون في حديقة حيوانات، فالذئب لن يحميه سجن مواطن فقير فقد عشرة من أغنامه التي هي عماد أسرته، و الذئب لن تحميه "الوعظية" البيئية لرجل يجد عقرباً بجانب طفله الرضيع !!، بل ستحميها رؤية ذلك المواطن بأن هذه الكائنات من الممكن جدا أن تصير  مصدر رزقه وكرامته، وليس مجرد خطر عليه، فقد آن الأوان لأن نمنح "سكان الخلاء" أدوات الحماية والبدائل، لا تهديدات قوانين البيئة التي لم تصنع في بيئة الصحراء و لا تفقه كثيرا عن ذهنية سكانها ، فكم هو مفيد وجميل لو أن بعض رجالات السلطات العمومية ونشطاء الجمعيات البيئية نزلوا إلى موائد الشاي في خيام الرحل، وسمعوا قصص خسائرهم (من الذئاب، والكلاب الضالة، والأفاعي، والعقارب) ليعلموا أن أولئك المواطنون الذين يعيشون في هامش الهامش، هم في حرب يومية من أجل رزقهم، وأن ما نسميه "حياة برية" هو بالنسبة لهم "خطر متجول"، حينها فقط، يشعرون أنهم بالفعل "حراس" البيئة لا "مجرموها "، وحين يجدون بديلاً عملياً يردع الخطر دون أن يفقدون ماشيتهم، فإنهم سيذبحون جهلهم ويحمون ذئابهم وثعالبهم البرية البريئة..    

 *ذ.لحسن الجكاني باحث في التاريخ والتراث .