زايد جرو - الرشيدية / جديد انفو

أصبح الحديث عن ترك أضحية العيد هذا العام والأعوام المقبلة خيارا  مطروحاً بإلحاح  لدى الكثير من الأسر، ليس تقليلاً من شعيرة عظيمة ولا  تقصيراً في شعيرة دينية، ولا تهاوناً في قيمتها الرمزية، وإنما مراعاة للظروف الاقتصادية الصعبة وتضامناً مع الأسر الفقيرة التي أصبحت عاجزة عن مجاراة تكاليف المعيشة ،ومتطلبات العيد وبسبب الارتفاع الكبير  والمهول  في أسعار الأضاحي وما رافقه من شعور بالاستياء من جشع بعض المضاربين والكسابة أنفسهم  الذين استغلوا حاجة الناس ورغبتهم في إحياء السنة، فالعيد الذي يُفترض أن يكون مناسبة للفرح والتراحم، تحول عند فئات واسعة إلى عبء مادي ثقيل يرهق الأسر .

هذه السنة لا يتعلق الأمر بالجفاف، ولا بغلاء الأعلاف، ولا بقلة إناث المواشي  ولا بالدعم ،بل يتعلق الأمر بشيء اسمه الجشع وفوضى الأسعار، والكل يبيع حسب هواه دون  التدخل المباشر للدولة للردع، وتحديد سقف الثمن، وفرضه بالقوة ،السنة الماضية تدخل عاهل البلاد نصره الله برؤيته السديدة فضحى نيابة عن الأمة لرؤيتة التبصرية لينمو القطيع وينخفض ثمن اللحم في الاسواق وتخفيف العبء على الشعب  لكن المضاربين هذه السنة وتجار الازمات ' زاغو ' كثيرا  وبجشع لا يطاق.

سوق لحدب بالرشيدية البارحة الأحد 24 ماي كان الثمن باهظا ولا حديث الاعن 5000 درهم فما فوق وقد صادفت بالباب كسابا من الرحل وهو على عتبة الباب مع مجموعة من الذين يرغبون اقتناء الاضحية لكن الكساب وهو من الرحل ' خرج فيه العجب ' هو وابوه واخوه تناديه كم ثمن هذا فيقول على الله تقول 3000 درهم ويضحك ويرد ' الله اعفو عليك ' ثمنه 8000 درهم وانا الحاضر بعيني ولم يحك لي احد.

كنت اعطف على هؤلاء الرحل واقدر تعبهم لكن طريقة رده وجشعه جعلت الرحمة تنسحب من القلب منه ومن امثاله لأمرين: طريقة الرد ،والرغبة في استغلال الظرف شأنه شأن الآخرين. سألته امرأة قالت اريد هذا واني فقيرة ولدي ابناء وزوجي متوفى. قال على الله، قالت لدي 2500 درهم واجاب بلغة رهيبة فيها حقد وكراهية وبعربية ممزوجة بالامازيغية ' والله ما يتبعك ' اعطيني 3500 درهم ولا 'سيري فحالك 'هي الرحمة التي نطالب بها للرحل  وكنت حاضرا على المشهد، ولم يحك لي احد ايضا.

مواقع التواصل الاجتماعي وعدد من الناس الذين لهم القدرة على الشراء امتنعوا عن الشراء لترك المجال للفقير عله يقتني اضحيته وسيتصدقون بثمنها للفقراء، وهي رؤية حكيمة فالذي يجب ان يمتنع عن الاضحية هو من له القدرة الشرائية ليُترك المجال للاخرين حتى ينخفض السوق في كل مدينة ومقاطعة شراء الأضاحي عند ارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه قد تحمل رسالة اجتماعية وأخلاقية ضد الاحتكار والجشع، وتدفع نحو إعادة التوازن للسوق واحترام القدرة الشرائية للمواطنين. فحين تتحول المناسبة الدينية إلى فرصة للاستغلال، يصبح من حق الناس أن يعبروا عن رفضهم بطرق سلمية ومسؤولة.

ويبقى الأهم هو الحفاظ على معاني العيد الحقيقية: صلة الرحم، وإدخال السرور على الأهل، ومساعدة المحتاجين، ونشر المحبة والتضامن. فالأضحية عبادة عظيمة، لكن قيم الرحمة والتكافل أعظم أثراً في المجتمع.

إن روح عيد الأضحى لا تختزل فقط في ذبح الأضحية، بل تتجلى أيضاً في معاني الرحمة والتكافل والتيسير وعدم إثقال كاهل الأسر بالديون والضغوط النفسية. وقد أكدت الشريعة الإسلامية أن الأضحية سنة مؤكدة عند جمهور العلماء، وليست فرضاً على من لا يستطيع أو يجد في ذلك حرجاً ومشقة. لذلك فإن من اختار تركها بسبب الغلاء أو تضامناً مع المحتاجين، لا ينبغي أن يُنظر إليه بنظرة انتقاص، بل قد يكون مدفوعاً بإحساس إنساني واجتماعي نبيل.

إن الحكمة تقتضي اليوم نشر ثقافة الاعتدال، ومحاربة المظاهر التي تدفع بعض الناس إلى الاستدانة أو التضحية باستقرارهم المالي فقط لمجاراة العادات الاجتماعية فالعيد يبقى عيداً بالمودة وصلة الرحم والطمأنينة، وليس بحجم الأضحية أو ثمنها.

وفي النهاية، يبقى لكل أسرة تقدير ظروفها وإمكاناتها، دون مزايدات أو أحكام جاهزة، لأن الدين يسر، ولأن الكرامة الاجتماعية لا ينبغي أن تكون رهينة بقدرة الإنسان على شراء أضحية باهظة الثمن.