زايد جرو - ارفود /جديد انفو
في أمسية تواصلية امتزجت فيها نسمات التاريخ بعبق الذاكرة الجماعية، احتضن مدرج مؤسسة الرازي بمدينة أرفود، مساء يوم السبت 30 ماي 2026، حدثاً ثقافياً استثنائياً، تمثل في عرض فيلم وثائقي بديع حمل عنوان: 'البرّاح' للمخرج والباحث الدكتور لحسن الجكاني، وذلك في إطار حفل تكريمي نظمته جمعية زيز-غريس التطوعية للعمل الاجتماعي والثقافي لفائدة شخصيات أرفودية لها إسهامات متميزة محليا ووطنيا ودوليا .
الفيلم الذي يعد أول تجربة وثائقية للدكتور الجكاني، لم يكن مجرد مادة سمعية بصرية عابرة، بل كان بمثابة رحلة استقصائية عميقة في جذور وسائل التواصل البدائية في منطقة تافيلالت، وتحديداً بمدينة أرفود، حيث استطاع المخرج أن يوثق بدقة متناهية ظاهرة كانت في الماضي شبكة أنترنت قبل اختراع الكهرباء، وأول “واتساب” أو "تلغرام" جماعي قبل عصر الهواتف المحمولة.
البرّاح… أو وسيلة الإعلام الشعبي التي أوشكت على الاندثار.
انطلق الفيلم بمشاهد بانورامية خلابة لحي الحمري التاريخي بأرفود حيث ولد البراح: الحاج عبد الواحد فرحي، المحتفى به و الذي تدور حوله أحداث الفيلم ، بالإضافة إلى مشهد إحدى بوابات مدينة أرفود التاريخية، ثم تناوبت اللقطات والرواي يشرح للجمهور طبيعة وظيفة البرّاح، وهو الشخص الذي كان يُكلّف، في غياب وسائل التكنولوجيا، بنقل الأخبار إلى جميع سكان المدينة وأحيائها .
وثق الفيلم بشكل جذاب كيف كان البرّاح، الذي يعني اسمه المنادي أو مخبر الناس بالأخبار، يمتطي دراجته الهوائية ويجول بها ليحمل الأخبار مُعلنا بمكبر الصوت المحمول الخبر العاجل، سواء كان خبر وفاة، أو إعلان عن فقدان شيء ثمين ، أو أمر صادر عن السلطة المحلية، أو حتى دعوة لحضور مباراة في كرة القدم، أو مناسبة احتفالية أو تحذير من خطر محذق أو حملة طبية كالتلقيح .
سيناريو احترافي وتعليق أيقوني
تميز الفيلم بإخراج محكم رغم كونه التجربة الأولى للأستاذ الجكاني ، حيث تنقلت الكاميرا بين مقابلات شفوية عميقة، ومشاهد تمثيلية مُعاد بناؤها بعناية، وأرشفة ذهنية لصور نادرة للمنطقة، غير أن اللافت، بل الأجمل في العمل، هو التعليق الصوتي الذي صاغه وأدّاه بنفسه المخرج الدكتور لحسن الجكاني، بأسلوب سردي جمع بين العمق الأكاديمي والحس الأدبي الجزل، حيث كان صوته مرافقاً للمشاهد، يشرح دلالات كل مشهد ورمزية كل حركة، ليجعل من الفيلم درساً في الأنثروبولوجيا البصرية.
تفاعل الجمهور الغفير الذي حضر الحفل، والمكون من مثقفين وأكاديميين ونشطاء جمعويين وعامة سكان المنطقة، بعاطفة جياشة وتصفيق حار مع نهاية العرض، وسط إشادة واسعة بالجهد البحثي والجمالي الذي بذله المخرج في أولى تجاربه التوثيقية، كما كانت لحظة تكريم شخص البراح الحاج عبد الواحد الذي يبلغ من العمر 87 سنة، لحظة جد مؤثرة، وقف الجميع ليصفقوا بحرارة ومنهم من ذرف الدموع ..
الجكاني: "التجربة الأولى كانت تحدياً كبيراً"
في تصريح خاص على هامش الحفل، قال الدكتور لحسن الجكاني لـجريدة جديد انفو : “هذا الفيلم هو توثيق لظاهرة كانت تمثل الإعلام الموازي والدعامة الأساسية لخبر اليقين في مجتمع كانت المسافات فيه شاسعة والوسائل شبه معدومة، صحيح أنها تجربتي الأولى في الإنتاج الوثائقي، لكن الإصرار على إنقاذ هذا التراث غير المادي من الاندثار هو ما دفعني للخوض في هذا المغامرة، وكان الهدف هو أن نصنع أرشيفاً حياً للأجيال القادمة قبل أن ترحل آخر ذاكرة حية للبرّاحين.
كما أكد د. لحسن الجكاني أن “الجمعية تسعى دائماً لتسليط الضوء على المبادرات الثقافية النوعية، وفيلم البرّاح هو نموذج حي لما يمكن أن يقدمه أبناء المنطقة من إبداع يليق بعراقة التاريخ.
تكريم وتقدير
وقد تخلل الحفل الذي نظمته جمعية زيز-غريس التطوعية، فقرات تكريمية لشخصيات ساهمت في الحفاظ على الهوية الثقافية لأرفود منهم المؤثر الإعلامي ادريس خيدوس الذي صار بحق مدافعا عن تراث المدينة ،إلى جانب فنان الملحون عبد العالي بريكي ، إضافة إلى تكريم شخصيات كانت لها أيادي بيضاء على المدينة مثل المنعش السياحي الذي فاقت شهرته حدود الوطن السيد الطيب التايك (شالوكة) الذي صار يشكل مدرسة سياحية متفردة في العالم ، كما تم تكريم د. الحسين الجكاني خبير علم الأوبئة والإطار الوطني بوزارة الصحة لجهوده الحثيثة في تنظيم قوافل طبية لفائدة سكان المنطقة، وقد كان اختيار جمعية زيز-غريس للشخصيات المكرمة نوعيا و متميزا حيث تم تكريم أستاذ الرياضة نور الدين حمادي الذي أعطى الكثير للرياضة المحلية والوطنية، والجميل في هذا الحفل هو تكريم طاقات شابة من مواليد مدينة أرفود في مجالات علمية نادرة منهم المهندس الزراعي الشاب إسماعيل العمراني صاحب إبداع تقنية تجفيف الملاعب الرياضية من الماء أثناء التساقطات و الدكتور خالد الخالدي صاحب اختراع الإنذار المبكر في السواحل من التسونامي وهو منسق الأمم المتحدة بالمغرب في هذا الشأن، كما تم تكريم الدكتور يوسف مجدوب وهو أستاذ باحث بالمدرسة العليا للتكنولوجيا بالدار البيضاء رئيس الجمعية المغربية للباحثين في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ورئيس المؤتمر الدولي حول الاشياء المتصلة والذكاء الاصطناعي COCIA ، أيضا من المكرمين الأستاذ الدكتور يوسف فرحاوي الذي جمع بين التأطير الأكاديمي و الابتكار التطبيقي، المتخصص في الأمن السيبراني و تحليل البيانات و الذكاء الاصطناعي و الذي حقق إنجازا غير مسبوق بنيله بمعية طلبته بالجائزة الكبرى في مسابقة Huawei ICT Compétition 2025 التي جرت بمدينة شنزين بالصين .
بهذا الفيلم، يكون الدكتور لحسن الجكاني قد وضع حجر الأساس لنوع جديد من السينما الوثائقية في تافيلالت، سينما تعيد للصوت البشري قيمته كأول وأصدق وسيلة إعلام عرفها الإنسان قبل عصر الشاشات والمساحيق الرقمية.
|
|