جديد انفو/ متابعة

مع انطلاق الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية 2026، يفترض أن يتحول الفضاء العمومي إلى مجال للتنافس السياسي المسؤول، وعرض البرامج والتصورات، والتواصل مع المواطنين بعيدا عن التجريح أو الاستفزاز أو المساس بكرامة المشاركين في العملية الانتخابية.

وفي هذا السياق، تبرز بعض السلوكيات والخطابات التي ترافق أحيانا الحملات الانتخابية، ومن بينها استعمال أوصاف ذات حمولة قدحية في حق المشاركين في الحملات الدعائية، من قبيل وصفهم بعبارات متداولة في الثقافة الشعبية، من بينها لفظ "السلوگية"، بما قد تحمله الكلمة في بعض السياقات من إساءة والمس بالشرف الأسري والعائلي والقبلي  و انتقاص من الأشخاص الذين يؤدون دورا في التواصل الانتخابي.

ومن حق المواطن، دون شك، أن ينتقد، وأن يرفض تسلم منشور أو مطبوع انتخابي، وأن يعبر عن موقفه السياسي بالطريقة التي يراها مناسبة، ما دام ذلك يتم في إطار الاحترام والقواعد المنظمة للعملية الانتخابية، غير أن الاختلاف في المواقف لا ينبغي أن يتحول إلى إهانة شخصية، لأن النقد السياسي شيء، والتجريح في الأشخاص شيء آخر.

فالانتخابات ليست فقط مناسبة لاختيار ممثلين داخل المؤسسات، وإنما هي أيضا اختبار للسلوك المدني ومستوى الخطاب السياسي في المجتمع ،وكلما ارتفع مستوى النقاش، ارتفعت معه قيمة المنافسة الانتخابية، بينما يؤدي الانزلاق إلى السب والاستفزاز إلى إضعاف النقاش وتحويل الاهتمام من البرامج والقضايا الحقيقية إلى المناوشات الشخصية.

وفي ما يتعلق بالحملة الانتخابية لحزب التجمع الوطني للأحرار، وعلى مستوى تحركات المرشحين فإن الخطاب الذي رافق الحملة، بحسب ما ظهر في عدد من محطات التواصل الميداني، يقوم على الانضباط واحترام المواطنين والتواصل معهم في المدن والمناطق الهامشية، مع تقديم الحملة باعتبارها فضاء للتعريف بالمرشح وبرنامجه وليس مناسبة للدخول في صراعات جانبية.

لكن الحملات الانتخابية، مهما حرصت على الانضباط، تظل معرضة للاحتكاك اليومي مع المواطنين واختلاف ردود أفعالهم ،وهنا تبرز مسؤولية جميع الأطراف في الحفاظ على هدوء الأجواء، وعدم السماح للاستفزاز بأن يتحول إلى مواجهة كلامية أو سلوك يسيء إلى صورة المنافسة الانتخابية.

كما أن تداول مقاطع  ' سلوكَية هادي' او ' ابنح نبح اسلوكَي ' في وصف ونعت  رجل في الستين من العمر، وتصدر من منطقة معينة ،معروفة باخلاقها العالية دون اعتبار لعيار  السن والمناسبة ،يطرح سؤالا قيميا عريضا في إطار التحول السلوكي، كما ان تداول مشاهد تتضمن ردا متبادلا بالوقوف عند ' ويل للمصلين' دون اتمام السورة كما تم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي في إطار الحملة الانتخابية  يُعد  تعسفا رمزيا وتحاملا ظاهرا وخفيا دون تبئير لتلفظ  أحد المواطنين بصوت مسموع  بالعبارتبن اثناء الدعاية، فقد يصعب  الحسم في خلفيات الواقعة أو تحديد المسؤوليات في هذه النازلة، خصوصا عندما يكون السياق الكامل غير متاح، لذلك فإن التعامل المسؤول مع مثل هذه الوقائع يقتضي الابتعاد عن الاتهامات والتركيز على قاعدة أساسية : لا أحد فوق النقد، ولا أحد ينبغي أن يكون هدفا للإهانة.

إن نجاح الاستحقاقات الانتخابية لا يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بعدد الأصوات، بل كذلك بمدى احترام مختلف المتنافسين والناخبين لبعضهم البعض، فالمنافسة السياسية الحقيقية تقتضي أن يتحدث المرشح عن برنامجه، وأن يناقش المواطن هذا البرنامج، وأن يبقى الخلاف في حدود الأفكار والمواقف، لا أن يتحول إلى مساس بالأشخاص وكرامتهم ومن هنا، فإن الانضباط والمسؤولية واحترام الآخر ليست شعارات انتخابية عابرة، وإنما سلوكيات مدنية ينبغي أن تواكب العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها.

فالمرشح له حق التواصل، والمواطن له حق القبول أو الرفض، والناخب له كامل الحرية في اختياره، لكن الجميع مطالب في المقابل باحترام كرامة الآخر وبين حماس الحملة الانتخابية وهدوء المسؤولية المدنية، تبقى الرسالة الأهم واضحة: الاختلاف حق، والانتقاد حق، والاختيار حق، أما الإهانة والتجريح فليسا لغة تليق بمنافسة يفترض أن يكون عنوانها خدمة الوطن.