فوزية ايت حساين - تارودانت /جديد انفو
حين يزهر القرآن في القلوب تفوح رائحة العطر بتارودانت العالمة احتفاء بحفظة كتاب الله حيث تستعيد روح المغرب العالِم ،ففي مشهد إيماني مهيب بقرية إيمي نواسيف شمال إقليم تارودانت، مطلع شهر غشت الجاري، خرجت الساكنة في أجواء روحانية والفرح والسكينة لتحتفي بكوكبة جديدة من حفظة القرآن الكريم، في احتفال يجسد عمق ارتباط المجتمع السوسي بكتاب الله، فأعاد المشهد إلى الواجهة إحدى أعرق التقاليد العلمية والدينية التي ميزت المغرب عبر تاريخه.
خرجت الساكنة، كبارا وصغارا في مواكب عامرة بالتكبير والتهليل والدعاء، احتفاء بأبنائها الذين أتموا حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، في مشهد لم يكن مجرد احتفال بنهاية مسار تعليمي، بل كان إعلانا عن ميلاد جيل جديد يحمل في صدره نور القرآن، ويواصل رسالة العلماء والفقهاء الذين أنجبتهم مدارس سوس العتيقة.
لقد ظل حفظ القرآن الكريم في المغرب، وخاصة بمنطقة سوس، أكثر من مجرد عملية تعليمية،فهو مشروع متكامل لبناء الإنسان، وغرس قيم الأخلاق والانضباط والوسطية، وصناعة شخصية متوازنة تستمد هويتها من الدين والوطن والثوابت الجامعة للأمة المغربية.
ويكتسب هذا الاحتفاء دلالات تربوية عميقة في زمن تتعرض فيه منظومة القيم لتحديات متزايدة، بفعل أنماط تربية وافدة وثقافات دخيلة تسعى إلى إضعاف الروابط الأسرية، وتشويه المرجعيات الأخلاقية، وإبعاد الأجيال عن منابعها الأصيلة ومن هنا، يصبح تكريم حفظة القرآن رسالة مجتمعية تؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان المؤمن بعلمه، المعتز بهويته، المتمسك بقيمه.
كما يعكس هذا التقليد المتجذر المكانة العلمية التي احتلتها منطقة سوس عبر القرون، باعتبارها منارة للعلم الشرعي، ومهدا للفقهاء والعلماء الذين نشروا المعرفة داخل المغرب وخارجه، وأسهموا في ترسيخ المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهي الثوابت التي شكلت الشخصية الدينية المغربية القائمة على الاعتدال والتسامح.
إن الاحتفاء بحفظة القرآن ليس تكريماً لأفراد فحسب، بل هو تكريم لرسالة العلم، ووفاء للمساجد والكتاتيب والمدارس العتيقة، واعترافا بجهود الأسر والشيوخ والفقهاء الذين أفنوا أعمارهم في خدمة كتاب الله، حتى ظل المغرب منارة قرآنية يشع نورها في مختلف ربوع العالم الإسلامي.
ومن قرية إيمي نواسيف، ارتفعت الأكف بالدعاء أن يحفظ الله هؤلاء الحفظة، وأن يوفق علماء وفقهاء سوس، وأن يبارك جهودهم في خدمة الدين والوطن، وأن يجعل القرآن العظيم نور صدورهم، ورفعة لهم في الدنيا والآخرة، وأن يديم على المغرب نعمة الأمن والإيمان، في ظل تشبثه بثوابته الوطنية والدينية وهويته الحضارية الأصيلة.
إنها رسالة مفادها أن الأمم التي تكرم حفظة القرآن إنما تكرم مستقبلها، وأن البركة في الدين والعلم معاً، وأن نهضة المجتمعات تبدأ دائماً من بناء الإنسان قبل بناء العمران.
|
|