زايد جرو _ الرشيدية /جديد انفو

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يخرج إلى الساحة أشخاص يرتدون قناع السياسة، يتحدثون بمفاهبم الديمقراطية بأهداف لا علاقة لها بخدمات المواطنين و لا  بقضاياهم، إنهم مرشحون يدخلون حلبة السباق و يعلمون مسبقا أنهم لا يطمحون للفوز، بل يسعون إلى أداء دور محدد في زمن عصيب، همهم إرباك المنافسين، وتشتيت الأصوات، وإضعاف حظوظ بعض المرشحين، ليختفوا في اللحظة المناسبة بعد تحقيق المهمة الدنيئة المطلوبة حيث يحولون الترشح الانتخابي إلى تجارة موسمية مربحة، ويصبح الانسحاب من السباق سلعة قابلة للتفاوض بالبيع والشراء، ويحولون أصوات الناخبين إلى أوراق للمساومة، ويدبرون المعارك الانتخابية في الكواليس بمنطق الصفقات، لا بمنطق البرامج والأفكار.

إن هذا السلوك يشكل اعتداء مباشرا على روح الديمقراطية، ويفرغ الانتخابات من مضمونها النبيل ويحولها إلى مسرحية سيئة الإخراج، يؤدي فيها بعض المرشحين دور الفاعل "الأرنب" الذي يدخل السباق لا بنية الفوز، بل بنية  تحويل نتائجه لصالح أطراف أخرى ،والنتيجة أن المواطن يجد نفسه أمام خطابات بشعارات ،وحناجر تخفي وراءها حسابات ضيقة ومصالح شخصية لا علاقة لها بالشأن العام، وهكذا يفقد العمل السياسي وظيفته، ويزداد عزوف المواطنين عن المشاركة، لأنهم يكتشفون أن بعض من يطلبون أصواتهم لا يؤمنون أصلاً بالمنافسة الشريفة.

إن الديمقراطية لا تُبنى بالمناورات ولا بالمقايضات المالية ولا بالترشيحات الوهمية، فالديمقراطية تحتاج إلى رجال ونساء يمتلكون الشجاعة لخوض المنافسة بعز وشرف، وقبول نتائجها باحترام، لا إلى سماسرة انتخابيين يتنقلون بين المرشحين بحثاً عن أفضل عرض.

اليوم في زمن التأكيد على أن الديمقراطية لا خيار ولا بديل عنها لبناء الدولة الاجتماعية بتوجيه من أعلى سلطة في البلاد، فإن المسؤولية تقع على عاتق الناخبين للكشف عن هذه الممارسات ومعاقبتها ديمقراطياً.

فالصوت الانتخابي ليس هدية مجانية او عطاء أو هبة بل أداة للمحاسبة، ومن واجب المواطنين التمييز بين المرشح الجاد الذي يحمل مشروعاً ورؤيا، وبين المرشح الذي يستعمل الديمقراطية كغطاء لتحقيق مصالح و خدمة أجندات خفية.

رسالتنا لهذه الطينة الخبيثة العفنة والمتلاعبة بالعملية الانتخابية،: قد تنجح الصفقات في إسقاط مرشح أو تغيير نتيجة ظرفية، لكنها لا تستطيع شراء احترام المواطنين ولا صناعة الشرعية الحقيقية ،فالسياسة ليست تسلية، والديمقراطية ليست سوقاً للمساومات، ومن باع ضميره الانتخابي اليوم سيجد نفسه غدا خارج المسؤولية الوطنية وخارج دائرة الثقة التي تُعد الرأسمال الحقيقي لأي فاعل سياسي.

ويبقى الرهان الأكبر هو يقظة المواطنين، لأن الديمقراطية لا يهددها الخصوم المعلنون بأقنعتهم، بقدرما يهددها أولائك الذين يتحدثون باسمها وهم أول من يطعنها في الخفاء.