زايد جرو ـ الرشيدية /جديد انفو
في كل محطة انتخابية، يعود النقاش حول البرامج والمرشحين والتحالفات والأرقام، لكن السؤال الأعمق هو: أي انتخابات نريد؟ وأي نخب نريد أن تفرزها صناديق الاقتراع؟.
فالمغرب الذي يعيش الآن تحولات اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية وديمقراطية متسارعة، لم يعد في حاجة إلى انتخابات تُدار بمنطقها التقليدي القائم على الدعاية العابرة، والحسابات الضيقة، واستثمار الروابط القبلية والعائلية والعصبية المحلية، لقد أصبح من الضروري الانتقال إلى ممارسة انتخابية تجعل من المواطن شريكا في صناعة القرار، ومن المرشح مشروعا سياسيا لا مجرد اسم يبحث عن أصوات.
فالانتخابات أكبر من موسم انتخابي، وليست مناسبة موسمية تُرفع فيها الشعارات وتستنفَر فيها العلاقات والولاءات ثم تنتهي بانتهاء يوم الاقتراع، إنها واحدة من أهم الآليات التي تمنح المواطن القدرة على التأثير في مستقبل مدينته وجماعته وبرلمانه ودولته.
إن إخراج الانتخابات من إطارها التقليدي يقتضي أولا تحريرها من الدعاية القبلية والعصبية، ومن كل أشكال الاستقطاب التي تختزل المواطن في انتمائه العائلي أو الجغرافي أو الاجتماعي، فالقبيلة والعائلة والحي قد تكون مكونات طبيعية للنسيج الاجتماعي، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى معيار لاختيار من سيتولى مسؤولية تدبير الشأن العام، فالدولة الحديثة لا تُبنى بمنطق "هذا منا"، وإنما بمنطق "هذا قادر على خدمة الجميع"،فليس المطلوب من كل مرشح أن يكون منظرا في السياسة أو خبيرا في الاقتصاد، لكن المطلوب منه أن يمتلك الحد الأدنى من الوعي السياسي، والمعرفة بدور المؤسسات، وبطبيعة الاختصاصات، وبالتحولات التي يعرفها العالم،فالمنتخب الذي لا يقرأ التحولات الاقتصادية والاجتماعية، ولا يفهم معنى الحكامة، ولا يعرف كيف تُبنى السياسات العمومية، سيكون عاجزا عن الانتقال من خطاب الوعود إلى ممارسة المسؤولية،وهنا تحديدا يظهر دور المثقف والنخب النوعية.
فالمثقف ليس خصماً للسياسي، كما أن السياسي ليس بديلا عن المثقف. فالعلاقة الصحية بينهما تقوم على الحوار والنقد والتوجيه وتبادل المعرفة ،السياسي يحتاج إلى المثقف لكي يفهم المجتمع وتحولاته، والمثقف يحتاج إلى السياسي لكي تتحول الأفكار إلى سياسات ومشاريع ومؤسسات.
إن مصالحة المرشحين مع المثقفين والباحثين والأساتذة والخبراء وأصحاب الكفاءات ليست ترفا فكريا بل أصبحت حاجة وطنية،والأحزاب مطالبة باستقطاب الناخب الواعي و مطالبة بمراجعة أدواتها في الاستقطاب، فالحزب القوي ليس الذي يستطيع جمع أكبر عدد من الناس في مهرجان انتخابي، وإنما الذي يستطيع إقناع المواطن ببرنامجه وقدرته على التدبير.
ومن هنا فإن استقطاب الفئات الناخبة الواعية والمتعلمة والمهتمة بالشأن العام يجب أن يصبح جزءا من استراتيجية الأحزاب، لأن هذه الفئات قادرة على مساءلة المرشح، ومناقشة برنامجه، وقياس وعوده، ومقارنة خطابه بأدائه فالمجتمع المغربي تغير كثيرا والناخب المغربي تغير معه ولم يعد من المقبول أن يُعامل المواطن باعتباره مجرد رقم في لائحة انتخابية أو صوتا يُستدعى في موسم الانتخابات ثم يُنسى بعد إعلان النتائج.
الناخب اليوم يريد أن يعرف: ماذا سيقدم المرشح؟ ما هي رؤيته؟ ما مشروعه؟ ما قدرته على الترافع؟ وما الذي يستطيع أن ينجزه فعلاً؟ ،فالصوت الانتخابي شهادة،والصوت ليس مجاملة، وليس هدية، وليس رد جميل، وليس امتدادا لعلاقة عائلية أو قبلية،فالصوت شهادة،وكل شهادة تترتب عنها مسؤولية أخلاقية ووطنية.
فحين يمنح المواطن صوته لشخص ما، فإنه لا يختار فردا فقط، بل يساهم في اختيار من سيمثله ويدافع عن مصالحه ويشارك في صناعة القرار العمومي لذلك فإن الوعي الانتخابي ينبغي أن يبدأ من المواطن نفسه: أن يسأل، وأن يناقش، وأن يقارن، وأن يرفض بيع صوته أو رهنه للولاءات الضيقة.
وفي المقابل، على المرشح أن يدرك أن الفوز في الانتخابات ليس نهاية الطريق، وإنما بداية الامتحان الحقيقي لانتقال الدولة من انتخابات الأشخاص إلى انتخابات المشاريع فبناء دولة مغربية قادرة على مواكبة التحولات الديمقراطية والاقتصادية العالمية يمر، من بين مداخل أخرى، عبر الارتقاء بالممارسة الانتخابية من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات والبرامج والكفاءات.
فنحن بحاجة إلى مرشح يعرف قيمة الزمن، ويحترم المواطن، ويقرأ الأرقام، ويفهم الاقتصاد، ويؤمن بالمؤسسات، ويستوعب التحول الرقمي، ويعرف معنى العدالة الاجتماعية، ويملك القدرة على التواصل والترافع، والأهم من ذلك كله: يمتلك حس المسؤولية الوطنية،فبقدر ما نحتاج إلى مرشحين من هذا النوع بقدرما نحتاج أيضاً إلى مثقفين لا يكتفون بمراقبة المشهد من بعيد فقط ، وإنما ينخرطون في النقاش العمومي، ويقدمون المعرفة والنقد والتصورات.
فالمثقف الذي ينسحب من المجال العام يترك فراغاً قد تملؤه الشعبوية، والسياسي الذي يخاف من المثقف والنقد يحرم نفسه من أهم أدوات تطوير تجربته فالمطلوب اليوم هو بناء جسر حقيقي بين السياسة والثقافة والمعرفة، لأن الديمقراطية لا تعيش بالأصوات وحدها، وإنما تحتاج إلى وعي يحميها,وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون السؤال: من سينجح في الانتخابات؟ بل السؤال الأكثر أهمية هو: أي نوع من المنتخبين نريد أن تفرزه صناديق الاقتراع؟ وأي مجتمع نريد أن نبنيه من خلالهم؟
الاختيار الانتخابي يجب أن يؤسس على الكفاءة والبرنامج والنزاهة والوعي، فبقدرما تتصالح السياسة والثقافة والمعرفة، يتحول صوت المواطن إلى شهادة واعية، فنكون بذلك قد خطونا خطوة حقيقية من انتخابات الأشخاص إلى انتخابات بناء الدولة.
|
|