زايد جرو ـالرشيدية /جديد انفو

لم يكن حضور الباحثين المغربيين  الدكتور سعيد كريمي والدكتور عبد الواحد بن ياسر  ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبييوم السبت 5شتنبر الجاري  مجرد مشاركة أكاديمية عابرة، بل شكل الحضور  مناسبة لإعادة طرح سؤال عميق من أكثر الأسئلة إلحاحا في المسرح العربي: كيف يمكن للتجريب أن يكون حداثيا ومنفتحا على العالم، من دون أن يفقد صلته بالهوية والذاكرة والمكان والخصوصيات الثقافية؟

في قلب البرنامج الفكري للمهرجان، التقت رؤى باحثين ونقاد ومسرحيين من بلدان عربية مختلفة حول علاقة التجريب بالمحيط الإقليمي:   الثقافة، والطقوس، والفرجة، والذاكرة الجماعية، في محاولة لتجاوز التصور التقليدي الذي يحصر التجريب في البحث عن تقنيات وأشكال مسرحية جديدة.

وفي هذا السياق، قدم الباحث المغربي عبد الواحد بن ياسر قراءة لمفهوم "الإقليم الثقافي"، موضحا أنه لا يمكن اختزاله في الحدود الجغرافية، باعتباره فضاء فضاء تتقاطع داخله اللغات والرموز والطقوس والذاكرة والممارسات الاجتماعية.

ومن هذا المنظور، يصبح المسرح فضاء لإعادة اكتشاف الخصوصيات المحلية وليس مجرد منصة لاستنساخ نماذج جاهزة. فالتجريب، كما تكشفه العديد من التجارب المسرحية، قادر على استيعاب الحكاية الشعبية والموسيقى والرقص واللغة المحلية والطقوس، وتحويلها إلى عناصر حية داخل العرض، بل وإشراك الجمهور نفسه في صناعة الفرجة.

ولم يكن استحضار نماذج مثل الفودو في هايتي، والزار في الحبشة ومصر، وگناوة في المغرب، والسطمبالي في تونس مجرد استعراض لأشكال فرجوية مختلفة، بل تأكيدا على أن المسرح لم ينفصل تاريخياًد عن الطقس والاحتفال والممارسة الاجتماعية، وأن الكثير من التجارب المعاصرة تعيد اكتشاف هذه الجذور وتمنحها وظائف جمالية وفكرية جديدة.

وفي السياق نفسه، برز سؤال المكان باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم التجريب المعاصر. فقد تناول الباحث السعودي صالح زمانان علاقة الهوية بذاكرة المكان، مستحضرا تجربة "نوستالجيا" للمخرج المغربي أمين ناسور، باعتبارها نموذجا لتحويل الموقع الأثري إلى فضاء أدائي تتفاعل داخله الحركة والإضاءة والموسيقى ومسارات الجمهور، لتتحول الذاكرة من مجرد موضوع إلى تجربة مسرحية محسوسة.

أما التجربة التي قدمتها الباحثة المصرية لمياء أنور محمد حول المسرح المجتمعي في حي "لا بوكا" بمدينة بوينوس آيرس، فقد وسعت النقاش نحو علاقة التجريب بالذاكرة الجماعية والمقاومة، حيث يتحول سكان المكان إلى فاعل جماعي داخل العملية المسرحية، ويصبح الجسد والفضاء والتراث الشفوي أدوات لإعادة كتابة الذاكرة.

وفي الندوة الثانية، التي حملت عنوان "التجريب المسرحي بوصفه أقاليم جمالية"، واصل الباحث المغربي سعيد كريمي تفكيك مفهوم التجريب وعلاقته بالإقليم الثقافي وبسؤال الأنا والآخر.

وأكد كريمي أن الإقليمية الثقافية ليست جغرافيا مغلقة، وإنما فضاء مركب تتداخل فيه الأبعاد الاجتماعية والثقافية واللغوية والأنثروبولوجية، مع احتفاظ كل فضاء بخصوصيته وقدرته على إنتاج تعبيره الجمالي.

ومن هنا يكتسب التجريب معناه الحقيقي باعتباره مغامرة في التفكير والإبداع، لا مجرد انتقال ميكانيكي لنماذج مسرحية من سياق إلى آخر. فالمسرح العربي، وفق هذا التصور، لا يحتاج إلى إدارة ظهره للتجارب العالمية، لكنه في المقابل ليس مطالباً بأن يتحول إلى مستهلك دائم للمنجز الغربي ،فالمطلوب كما يوحي النقاش، هو الاستفادة من التجربة الإنسانية العالمية ثم إعادة صياغتها داخل السياقات المحلية، بما يسمح للحداثة أن تصبح جزءا من السؤال الثقافي المحلي، لا مجرد نموذج مستورد من الخارج.

إنها معادلة دقيقة بين الاستفادة والتجاوز، والانفتاح والخصوصية؛ وهي معادلة تجعل من التجريب فعلا إبداعيا قادرا على إنتاج لغة مسرحية تنطلق من البيئة المحلية، لكنها لا تنغلق داخل حدودها.

وهنا تكمن أهمية الحضور المغربي في هذا النقاش. فالمغرب، بما يزخر به من تعدد لغوي وثقافي وطقوسي وثراء في أشكال الفرجة الشعبية، يمتلك مادة خصبة لإعادة التفكير في علاقة المسرح بالهوية والمكان والذاكرة ،فمن گناوة إلى الحكاية الشعبية، ومن الطقوس المحلية إلى الفنون الاحتفالية، تبدو الثقافة المغربية قادرة على أن تكون مصدرا للإبداع المسرحي، لا مجرد خلفية فولكلورية للعرض.

لقد كشفت ندوات القاهرة أن سؤال التجريب لم يعد: كيف نصنع مسرحاً مختلفاً؟ فحسب، وإنما أصبح أيضاً: من أين يأتي هذا الاختلاف؟ ولمن يتوجه؟ وما الذاكرة التي يحملها؟ وأي علاقة يقيمها مع المكان والإنسان والهوية؟

وبذلك، يبدو المسرح التجريبي العربي أمام تحدٍّ مزدوج: أن يظل وفياً لروح المغامرة والبحث عن الجديد، وأن ينجح في الوقت نفسه في إنتاج حداثة نابعة من بيئاته الثقافية والجمالية ،إنها حداثة لا تنغلق على الذات، ولا تذوب في الآخر؛ بل تنطلق من الخصوصية نحو الكوني، ومن الذاكرة نحو المستقبل، ومن المكان المحلي نحو فضاء إنساني أرحب.

يشار إلى أن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي تتواصل إلى غاية 8 شتنبر الجاري؛ من خلال العروض المسرحية والندوات الفكرية والورشات التدريبية والبرامج الموازية.