مصطفى ملو / جديد انفو / متابعة

في كل صيف، ومع بداية توافد أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج على قراهم في فيافي أسامر وواحاته، تصبح هذه القرى أشبه بخلايا نحلة نابضة بالحركة والحياة، ليس فقط حركة السيارات، بل أيضا حركة وقهقهات أبنائهم وهم صاعدون نازلون في طرقاتها المغبرة أو بين حقولها التي دمرها الجفاف أو دروبها الطينية!!
يطلق المغاربة ومعهم سكان الجنوب الشرقي اسم الفكانسية على كل فتاة قادمة من الخارج، وتحديدا تلك الشابة التي ولدت ونشأت في أوروبا، وفي كل صيف تعود مع أسرتها إلى القرية لقضاء العطلة التي اشتق منها اسم الفكانسية نسبة إلى Les vacances، أي العطلة بالفرنسية والتي لا نعتقد أن لها مرادفا مفردا.
بمجرد أن تطأ قدما "يطو تفكانسيت" أرض القرية، حتى تتحول إلى حديث مجالس شبابها ومراهقيها، حيث تتردد أخبار وصولها بين الأزقة وفي الحقول والتجمعات الليلية.
بعد وصولها بأيام، لا يبقى الأمر مقتصرا على الأحاديث الليلية عن غنجها وتدللها وهي ذاهبة آيبة بشعرها الفاحم وبشرتها الناصعة البياض الممزوجة باحمرار زاده مناخ مونبوليي صقلا وجمالا، وكأنها تحاول عمدا الإمعان في إثارة شهوة أبناء قريتها المحرومين. لا يبقى مجرد التلصص عليها مجديا، بل يتحول الأمر إلى سباق يسعى من خلاله كل واحد منهم أن يجد طريقا إلى قلبها، أو بالأحرى إلى "تأشيرة" منها!!
فيطو بالنسبة للكثيرين، ليست فتاة فكانسية جميلة وفقط، بل حلما وقنطرة للهجرة، وفرصة لتغيير مسار الحياة نحو الضفة الأخرى من البحر، لذلك يتهافت عليها الخُطاب من كل فج عميق في منافسة شرسة وحرب تكون حامية الوطيس قبل نهاية العطلة وعودتها من حيث أتت!!
الطريف أن الحرب لا تكون ضروسا بين أسراب الخطاب فحسب، بل أيضا بين والدها الذي يريدها لابن أخيه، أي ابن عمها هي، وأمها التي تفضل الاحتفاظ بها لابن أخيها، أي لابن خالها !
في الغالب الأعم نادرا ما تلتفت "يطو" إلى هذا الجيش من الخطاب، وربما اعتبرتهم مجرد حمقى مثيرين للسخرية، وربما حسبتهم مجرد أوبـ.ـاش متـسـخين، وفي أحسن الأحوال تجدها وقد صنفتهم ضمن الصنف المتخلف الذي لا يحرك شعرة من اهتمامها!!
والقاعدة التي لا تخلو من استثناءات طفيغة، أن يطو ومعها الكثير من "الفكانسيات" يكن قد حددن مسبقا ملامح شريك حياتهن؛ مغربي أو جزائري مقيم هناك، أو فرنسي يزعم أهلها مواساة لأنفسهم وإسكاتا لأفواه الفضوليين و"الحسـاد المكفرين" أنه دخل الإسلام وغير اسمه إلى أبي بكر!!
أما بعضهن الآخر، فقد كن ببساطة يعتبرن العطلة الصيفية فرصة لزيارة الأهل والأقارب، لا موسما للزواج!!
مع اقتراب نهاية الصيف، تبدأ الاستعدادات للرحيل، فتطوى الحقائب، وتغادر "الفكانسية" قريتها في ذلك الثلث الخالي من كوكب أسامر، تاركة وراءها عشرات القصص والتأويلات، فمنهم من يقول إنها رفضت الجميع، ومنهم من يؤكد أنها وعدت أحدهم بالزواج، ومنهم من ينسج حكايات لا أصل لها إلا في خياله!!
تقفل عبو ويطو وتودة وهي الأسماء السائدة حينذاك قبل أن تعرف الأسماء هي الأخرى تطورا ملحوظا، فحلت محل عبو نجاة وعوض يطو نادية وبدل تودة مريم...(يقفلن) عائدات إلى أوربا وقد خلفن وراءهن شباب، بعضهم أصبح مدمنا على السيجارة بسبب إحداهن، وأحدهم على المخدرات، وثالث على أرخص أنواع الخمر وأغاني المختار البركاني وتحديدا أغنية " ما نديكش أ الفكانسية...ما نديكش أبردي تخرجي عليا"، يواسي بها نفسه بعدما فشل في انتزاع يد إحداهن!!
اليوم أصبح الزمن غير الزمن، فمع اتساع آفاق التعليم، وتعدد فرص الهجرة والعمل، لم تعد "يطو تفكانسييت" تحتل المكانة نفسها التي كانت تشغلها في مخيلة شباب الأمس، فقد تراجع ذلك التهافت والزحام الذي كان يرافق عودتها كل صيف، ولم يعد الزواج منها يُنظر إليه بوصفه الطريق الوحيد إلى تحقيق حلم الهجرة والاستقرار في الخارج.
لتبقى "تفكانسييت" جزءا من ذاكرة جيل كامل، وشاهدا على مرحلة اجتماعية لم يكن فيها الصيف مجرد عطلة عابرة، بل أحلاما وقصص حب وإعجاب ووعود متخيلة وأوهام لا أساس لها في الواقع؛
- سوڭر تموتريد، أو الله خس نك أيتموتر، ترايي...
قصص لم يبق منها اليوم سوى حكايات يرويها من كانوا شبابا ومراهقين ذات زمان وأصبحوا اليوم كهولا وآباء، يروونها بابتسامة ممزوجة بالحنين وحتى بالسخرية من أنفسهم وطريقة تفكيرهم ذات عطل صيف!!