د سيدي محمد رشيد حاميدي/ جديد انفو
بكل قناعة قانونية - حقوقية أكدت الإنضمام منذ البداية - وما أزال - إلى ما يعبر عنه عموم الزميلات والزملاء في كل هيئات مهنة المحاماة عبر مختلف ربوع الوطن من غضب عارم ضد الإستهداف الفج لمكتسبات الرسالة الكونية بعد عقود من التضحيات لصالح تجويد دولة المؤسسات . إذ تعدّ مهنة المحاماة أحد الأعمدة الجوهرية لمنظومة العدالة وهذا متعارف عليه في مختلف التجارب الديموقراطية الدولية ، باعتبارها الأداة العملية لتفعيل حق الدفاع كشرط منهجي لضمان المحاكمة العادلة ، وهو حق دستوري أيضا لصيق بتلكم المحاكمة وفق ما ورد في دستور المملكة . فالدستور المغربي لسنة 2011 لم يتفاعل مع مهنة المحاماة باعتبارها وظيفة ثانوية في صون المواطنة ، بل أقرّها كضمانة أساس لحماية الحقوق والحريات ، وهو ما يفرض على المشرّع ، عند محاولة اعادة تنظيم مهنة المحاماة كفرضية
مزعومة ، الإلتزام الصارم بحدود المشروعية الدستورية والشرعية الحقوقية وعدم الإنزلاق نحو منطق الإخضاع أو الوصاية لتكريس التخريب الممنهج ضد مهمة الدفاع . غير أن مشروع القانون الذي تقدّمت به وزارة العدل لتنظيم مهنة المحاماة يثير ، في صيغته الحالية ، تخوفات جدية ومشروعة بشأن مدى انسجامه مع مقتضيات الدستور ، خاصة في ما يتعلق باستقلال المهنة وحصانة المحامي أثناء ممارسته لمهام الدفاع وصونا للمحاكمة العادلة لصالح الأمن القضائي كمصلحة فضلى لا تقبل التجاوز . والفصل 118 من الدستور ينص صراحة على أن " حق التقاضي مضمون لكل شخص ، والدفاع حق مقدس " ، وهو ما يعني أن حماية الدفاع لا تقتصر على النص المجرّد ، بل تمتد إلى توفير كل الشروط القانونية والمؤسساتية التي تمكّن المحامي من أداء دوره دون خوف أو ضغط أو بلوكاج . كما " يؤكد الفصل 120 أن " لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول " ، ولا يمكن تصور محاكمة عادلة في ظل محامٍ مقيّد أو مهدّد بالمتابعة بسبب مرافعة أو موقف دفاعي .
إن ما يثير القلق في المشروع المشؤوم هو توسيع مجال مساءلة المحامي بسبب ما يصدر عنه أثناء المرافعة ، من خلال عبارات عامة وفضفاضة في لغة الإصلاح المزعوم ، تفتح الباب أمام التأويل الزجري ، بما يحوّل الحصانة المهنية إلى استثناء هش وغير كاف لحماية سلطة الدفاع من تجبر الغير . والحال أن الحصانة ليست امتيازا شخصيا ، بل ضمانة وظيفية لحماية حق الدفاع ذاته وبالتالي ضمان إنفاد القاعدة القانونية . فالمرافعة الحرة شرط جوهري لتحقيق التوازن بين أطراف الدعوى ، وأي مساس بها يُخلّ مباشرة بمبدأ المحاكمة العادلة ، وهو ما ينسفه المشروع الذي يدافع عنه وزير العدل هذا الإبن العاق لحضن مهمة الدفاع العصماء . كما أن هذا التوجه يتعارض مع روح الفصل 117 من الدستور ، الذي يقرّ بأن " القاضي مستقل لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون " . فاستقلال القضاء ، في معناه الدستوري ، لا يكتمل إلا بوجود دفاع مستقل وقوي ، قادر على مناقشة قرارات القاضي وأعمال النيابة العامة دون خشية من المتابعة أو الإنتقام المؤسسي . إذ لا يُعقل الحديث عن قضاء مستقل في غياب محاماة مستقلة . وفي سياق تبرير المشروع ، تحاول وزارة العدل تسويقه باعتباره إجراءً يرمي إلى حماية أموال المتقاضين والحد من بعض الإختلالات المهنية . غير أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة قانونية ثابتة ، تتمثل في أن تدبير أموال الموكلين قد تم تنظيمه منذ اكثر من عقد من الزمان بموجب القانون رقم 28.08 في شقه المتعلق بصندوق الودائع وفقا للمادة 57 ، وهو نص حديث أرسى آليات دقيقة للمراقبة والشفافية ، دون المساس باستقلالية المحامي أو حصانته . وعليه ، فإن استحضار هذا المبرر اليوم يفتقر إلى الضرورة التشريعية ويعد مجرد بوليميك ترويجي غايته تغيير البوصلة نحو خلق صراع هامشي لتشتيت الافكار ، ويُثير الشك حول الأهداف الحقيقية للتعديل وبما يفتح إمكانية الإستنتاج أن مهمة الدفاع مستهذفة وفق أجندات الفساد الناعم الذي يمرر كل شيء باسم التحكم الأغلبي في دوالب السلطة التشريعية خدمة لرهانات اللاديموقراطية . ويزداد هذا التوجّه إسشكالا حين يُقارن باستمرار العمل بنصوص قانونية تعود إلى مرحلة الحماية ، وعلى رأسها قانون الإلتزامات والعقود الذي يعود لسنة 1913دون اعتبار ذلك موجبا للاستعجال أو المراجعة : وأتساءل هنا : ما الذي يمنع وزير العدل خوض إصلاح مثل هذا القانون وغيره من القوانين التي عمرت لعقود عديدة !! . ولماذا استهذاف قانون للمحاماة حديث العهد . إن هذا يطرح سؤال الإنتقالية في الإصلاح التشريعي ، ويعزّز الإنطباع بأن الإستهداف موجّه أساسا إلى مهنة ظلت تاريخيا تشكّل فضاءً للمساءلة والدفاع عن الحقوق والحريات .
إن مشروع القانون المشؤوم ، بصيغته الحالية ، لا يهدد فقط توازن المهنة ، بل يمسّ جوهر دولة القانون ، كما كرّسها الدستور في تصديره ، حين ربط بين سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان . فمحامٍ خاضع أو مقيّد هو محامٍ عاجز عن أداء رسالته ، ومتقاضٍ منقوص الحماية ، وعدالة مختلّة في نسقها . لذلك ، فإن الدفاع عن مهنة المحاماة في مواجهة هذا المشروع هو دفاع عن الدستور ذاته ، وعن الفلسفة التي قام عليها ، والتي تجعل من العدالة سلطة مستقلة ومتوازنة ، لا مجال فيها لتغوّل طرف على حساب الآخر . فأي إصلاح حقيقي لمنظومة العدالة لا يمكن أن يتم عبر إضعاف الدفاع ، بل عبر تعزيز استقلال المحاماة باعتبارها شريكا دستوريا في تحقيق العدل وصون الحقوق والحريات . ويتعارض هذا التوجه الذي تبنته وزارة العدل ومن معها مع الإلتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان ، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، ولا سيما المادة 14 منه، التي تضمن الحق في محاكمة عادلة وحق المتقاضي في دفاع فعّال ومستقل . كما تؤكد المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين ( الأمم المتحدة ، 1990) على وجوب تمكين المحامين من ممارسة مهامهم دون ترهيب أو تدخل أو متابعة بسبب ما يصدر عنهم من أقوال أو مرافعات في إطار أدائهم المهني . وعليه ، فإن أي تشريع ينتقص من استقلال المحامي أو يقيّد حريته المهنية يُعدّ إخلالا بالمعايير الدولية الملزمة للمغرب ، ومساسا بجوهر الحق في الدفاع كما هو متعارف عليه دوليا .
وختاما ، وبالصفة المهنية و الحقوقية ، أؤكد أن خطورة مشروع القانون التعسفي ، وما ينطوي عليه من مساس صريح باستقلال مهنة المحاماة وحصانتها ، تفرض اليوم حضورا جماعيا وموحَّدا لكل المحاميات والمحامين دون استثناء من كل حدب وصوب من الوطن الغالي لوقفة الجمعة . فالتعبير عن السخط المهني إزاء هذا المشروع لم يعد خيارا ظرفيا ، بل أصبح واجبا مهنيا وأخلاقيا يقتضيه الدفاع عن جوهر المهنة وعن حق الدفاع ذاته . إن الحضور المكثف والمنظّم والمنضبط لشعارات واضحة هو الرسالة الأبلغ لرفض هذا التراجع التشريعي الخطير.
** د سيدي محمد رشيد حاميدي هيئة مكناس والرشيدية رئيس لجنة المنازعات والشؤون القانونية جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان .
|
|