جديد انفو/متابعة
تستعد بعثة علمية مغربية ألمانية لإطلاق حملة جديدة من الحفريات الأثرية بالموقع الوسيطي لبليونش، على الساحل المتوسطي شمال المغرب، خلال شهر شتنبر المقبل، في إطار برنامج بحثي يروم تعميق المعرفة بأحد أبرز المواقع التاريخية المرتبطة بمدينة سبتة والمجال المتوسطي خلال العصر الوسيط.
ويأتي ذلك عقب بعثة أولية جرى تنظيمها بالموقع ما بين 28 و31 يوليوز الماضي، في إطار التعاون بين المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، التابع لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمعهد الألماني للآثار بمدريد، تحت إشراف مشترك للأستاذة أسماء القاسمي والأستاذ فيليكس أرنولد.
وأفادت وزارة الشباب والثقافة والتواصل بأن الأشغال التحضيرية مكنت من إنجاز رفوعات طبوغرافية باستعمال تقنيات مختلفة للتوثيق، بهدف تهيئة الأرضية العلمية والميدانية للحفريات المقرر انطلاقها خلال شتنبر 2026.
ويؤكد المعهد الألماني للآثار بدوره وجود مشروع بحثي يحمل اسم “حدائق بليونش” ضمن مشاريعه العلمية، ويضم في فريقه فيليكس أرنولد، نائب مدير فرع المعهد بمدريد، إلى جانب الباحثة المغربية أسماء القاسمي.
وتشكل الحملة الجديدة امتدادا لمسار طويل من البحث الأثري في المنطقة، إذ تستحضر الأبحاث البرنامج العلمي الذي قادته عالمة الآثار المغربية جودية حصار بنسليمان منذ سبعينيات القرن الماضي، وأسهم في الكشف عن القيمة التاريخية والأثرية للموقع ومكوناته العمرانية.
ويقع موقع بليونش عند سفح جبل موسى، على الساحل المتوسطي للمغرب وعلى بعد نحو ستة كيلومترات غرب مدينة سبتة، ويمتد على شكل مدرجات على مساحة تقدر بنحو 175 هكتارا.
وتعود الإشارات التاريخية إلى الموقع إلى القرن الثامن الميلادي، من خلال مينائه المعروف باسم “مرسى موسى”، الذي شكل نقطة استراتيجية للحملات العسكرية المتجهة نحو الأندلس، قبل أن يبلغ بليونش أوج ازدهاره خلال العصرين الموحدي والمريني.
وخلال تلك المرحلة، لم تقتصر أهمية بليونش على دوره البحري، بل تحول إلى مجال خلفي مهم لتموين مدينة سبتة، مستفيدا من وفرة موارده المائية ومدرجاته الزراعية ومنشآته المعمارية.
وتكشف المصادر التاريخية عن قوة العلاقة بين بليونش وسبتة، إذ أمر الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف خلال سنتي 1184 و1185 بتهيئة النظام المائي للمنطقة بهدف إيصال المياه إلى مدينة سبتة.
ووفق المعطيات التي أوردتها الوزارة استنادا إلى المؤرخ الأنصاري السبتي، كانت التجمعات السكنية في بليونش تضم في بداية القرن الرابع عشر 24 ضيعة و19 مسجدا و16 فرنا، فضلا عن مستودعات على الشاطئ وعدد من الأبراج المحصنة، وهي مؤشرات تعكس حجم النشاط العمراني والاقتصادي الذي عرفه الموقع.
ومن المنتظر أن تركز حفريات شتنبر على التوثيق المنهجي للبقايا الأثرية الظاهرة، بالتوازي مع فتح قطاعات جديدة للتنقيب، في محاولة لإعادة بناء صورة أكثر دقة عن تنظيم بليونش ووظائف فضاءاته خلال الفترة الوسيطية.
كما ستشمل الأبحاث العمارة السكنية والحدائق والاستغلالات الفلاحية والحمامات، إلى جانب شبكات تدبير المياه، وبشكل خاص نظام السواقي والمساكن الأميرية المعروفة بـ”المنية”، مع اعتماد مقاربة متعددة التخصصات وتقنيات حديثة في التحليل والتوثيق المجالي.
وتراهن البعثة المغربية الألمانية على أن تقود هذه الأبحاث إلى تجديد المعرفة بتاريخ الفضاءات الساحلية والاستجمامية في المغرب الوسيط، وإضاءة جوانب جديدة من العلاقات الاقتصادية والعمرانية والمائية التي كانت تربط بليونش بسبتة والمجال المتوسطي.
|
|
المصدر: العمق