د .سيدي محمد رشيد حاميدي* /جديد انفو
لم تكن معركة المحاماة ، في جوهرها، معركة من أجل امتيازات مهنية أو دفاعا عن مصالح فئوية ضيقة كما حاول البعض اختزالها وتصويرها . لقد كانت ، وما تزال ، معركة من أجل معنى أعمق : من أجل الوطن ، ومن أجل استقلال المهنة ، ومن أجل دولة المؤسسات وسيادة القانون .ولقد خاض المحامون فعلا معركة طويلة دفاعا عن تصورهم لمهنة حرة ومستقلة ، وعن المكانة التي تقتضيها رسالتها في منظومة العدالة . ومن حق كل صاحب رأي أن يختلف مع مواقف المحامين أو أن ينتقد أشكال احتجاجهم ، لكن ليس من حق أحد أن يصادر عنهم حقهم في الدفاع عن قناعاتهم ، أو أن يبخس معركتهم ويختزلها في حسابات ضيقة . فالمحاماة ليست مجرد مهنة عادية ، بل هي إحدى ضمانات الحق في الدفاع ، وأحد المكونات الأساسية للعدالة دوليا ومغربيا . ولذلك فإن النقاش حول القانون المنظم لها لا يمكن أن يكون نقاشا تقنيا محضا ، ولا مجرد خلاف بين قطاع مهني والسلطة الحكومية ، وإنما هو نقاش يهم طبيعة المؤسسات وحدود اختصاصاتها والضمانات التي تحمي استقلال المهن القضائية .
لقد مر مشروع القانون رقم 66.23 بمراحل تشريعية متتالية طبعها ما تحتفظ به محكمة التاريخ ، وصادق عليه مجلس النواب في قراءة ثانية يوم 6 يوليوز 2026 ، قبل أن تتم إحالته إلى المحكمة الدستورية لفحص مدى مطابقته للدستور ؛ فجاء تعذر البث !! والتاريخ محكمة للشعوب ، وهنا تحديدا تظهر قيمة دولة المؤسسات . فالمعركة الحقيقية لا ينبغي أن تكون معركة كسر إرادات ، ولا معركة انتصار طرف على طرف ، وإنما معركة احترام القواعد التي ارتضاها الدستور والمؤسسات . وإذا كان للمحامين اعتراض على مقتضيات في القانون ، فإن الطريق المؤسساتي الطبيعي هو الاحتكام إلى الدستور وإلى المحكمة الدستورية ، باعتبارها الجهة المختصة بالبت في دستورية القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها ؛ فلماذا لم تبث في الجوهر وزعمت دفعا في الشكل !! فحصل ما حصل ، ولله عاقبة الأمور كلها . ومن هنا ، فإن استمرار المعركة في بعدها الدستوري لا يعني رفض المؤسسات ، بل يعني احترام المؤسسات والثقة فيها . لذلك إن الطعن الدستوري ليس خروجا على دولة القانون ، وإنما هو أحد أرقى تجلياتها . وليس الإحتكام إلى المحكمة الدستورية تراجعاً عن النضال ، بل انتقال به من الشارع والإحتكام إلى رحاب الدستور والقانون والحجة القانونية . أما الذين حاولوا أن يبخسوا هذه المعركة النبيلة ، وأن يقدموا المحامين باعتبارهم مجرد فئة تبحث عن مصالحها ، فقد أسقطت الأحداث كثيرا من هذه الصور النمطية . فالمحامي حين يدافع عن استقلال مهنته ، وعن حق الدفاع ، وعن الضمانات الدستورية ، فإنه يدافع في النهاية عن منظومة يستفيد منها كل مواطن ، وعن عدالة لا تستقيم إلا باستقلال جميع مكوناتها . ولقد سقط من بخس المعركة ، وبقيت القضية حية ومفتوحة بحكمة رجالات ونساء الدفاع ، وبقي السؤال الأكبر : أيّ قانون نريد لمهنة المحاماة ؟ وأيّ علاقة نريد بين المهنة ومؤسسات الدولة ؟ وكيف نضمن أن يكون تنظيم المهنة منسجما مع الدستور ، وضامنا لاستقلالها ، ومحافظا في الوقت نفسه على هيبة المؤسسات ؟ إن الجواب لن يكون بالصراخ ضدا على معركة الشرف الكبرى ، ولا بالتخوين كما يفعل المعتادون على الإصطياد في المياه العكرة ، ولا بتبادل الاتهامات ، وإنما بالحجة والدستور والقانون وفي محكمة التاريخ . ولهذا ، فإن المعركة لم تنتهِ حتما ، لقد انتقلت إلى مرحلة جديدة : مرحلة الطعن في سجلات الوطنية والاحتكام إلى الضمير . وإذا كان من حق الدولة ومؤسساتها أن تشرّع وتنظم ، فمن واجب الجميع احترام الدستور باعتباره القانون الأسمى ، ومن حق المحامين أن يلجؤوا إلى الآليات التي وضعها الدستور نفسه للدفاع عن تصورهم لاستقلال مهنتهم وعن حقوق الدفاع ؛ في الجوهر لا في الشكل عبر بدعة تعذر البث !! . إنها ، في نهاية المطاف ، ليست معركة المحامين وحدهم ، بل معركة مغرب صاعد ينشد ما بلغته الأمم الراقية من تحضر ومدنية . إنها معركة من أجل أن تكون دولة المؤسسات أقوى من الأشخاص ، وأن يكون القانون أقوى من الإرادات ، وأن يكون الدستور مرجعا للجميع . ومن هنا نقول : سنختلف ، وسنحتج ، وسنطعن ، وسنواصل الدفاع عن قناعاتنا ؛ لكننا سنفعل ذلك داخل المؤسسات ، احتراما للدستور ، واحتراما للقانون ، واحتراما للوطن ، واحتراما لجلالة الملك . فالمعركة من أجل المحاماة لم تكن يوما معركة ضد الدولة ، وإنما كانت ــ وستظل ــ معركة من أجل دولة أقوى ، ومؤسسات أكثر استقلالا ، وعدالة أكثر إنصافا ، ووطن يتسع للاختلاف ويحتكم فيه الجميع إلى القانون .
وختاما ؛ إن المعركة مستمرة ، ولكن بوصلتها واضحة : الوطن ، الدستور ، دولة المؤسسات .
*عضو مجلس هيئة مكناس الرشيدية ، ورئيس لجنة المنازعات والشؤون القانونية في جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان .
|
|