زايد جرو /جديد انفو

لم يكن الأستاذ المحجوبي محمد الصغير، أستاذ مادة الفلسفة بثانوية مزيان بلفقيه بمدينة تاوريرت، يعلم أن رحلته إلى شاطئ المهندس بإقليم الناظور ستتحول إلى آخر درس يقدمه في الحياة؛ درس لا يحتاج إلى سبورة ولا إلى كتاب، بل إلى شجاعة ونكران للذات.

في حادث مأساوي هز الرأي العام والأسرة التعليمية هذا الاسبوع بالناضور وتاوريريت ومواقع التواصل الاجتماعي ، حيث لقي الأستاذ المحجوبي محمد الصغير مصرعه غرقاً بعدما تدخل في محاولة لإنقاذ طفلة تبلغ من العمر 15 سنة، كانت تسبح رفقة والدها بشاطئ المهندس، قبل أن تجرفهما التيارات البحرية إلى عرض البحر. وتمكنت الطفلة من النجاة، فيما فارق الأستاذ ووالدها الحياة.

وبحسب المعطيات المنشورة، فإن الأستاذ الراحل، البالغ من العمر نحو 40 سنة والأب لطفلين، لم يتردد في مواجهة الخطر عندما رأى أن حياة طفلة أصبحت مهددة. لقد كان بإمكانه أن يكتفي بالمشاهدة، لكنه اختار التدخل، مدفوعاً بغريزة إنسانية عميقة جعلته يضع حياة الآخرين قبل حياته.

هكذا، وجد رجل التعليم نفسه في لحظة فاصلة أمام امتحان من نوع آخر؛ امتحان لا علاقة له بالنقط أو المقررات أو الحصص الدراسية. امتحان الإنساني الأستاذ  الذي علّم الآخرين معنى المسؤولية، رحل وهو يمارسها.

وإذا كانت مهنة التعليم تُختزل أحياناً، ظلماً، في ساعات يقضيها الأستاذ داخل الفصل، فإن قصة المحجوبي محمد الصغير تذكر بأن رجل التعليم حاضر في المجتمع بأدوار تتجاوز جدران المؤسسة التعليمية. فهو في الفصل مربٍّ، وفي المجتمع مواطن، وفي اللحظات الصعبة قد يتحول إلى سند للآخرين، حتى وإن كان الثمن غالياً.

لقد أعاد هذا الحادث إلى الواجهة صورة الأستاذ باعتباره جزءاً من النسيج الاجتماعي والإنساني، لا مجرد موظف يؤدي مهمة إدارية. فالمحجوبي، كما يصفه عدد من المتابعين والمعارف، كان معروفاً بطيبته وحسن تعامله، واشتغل بالتدريس في زايو وتاوريرت قبل أن يرحل تاركاً وراءه أسرة صغيرة وتلامذة وزملاء وذكريات كثيرة.

ولعل أكثر ما يجعل الفاجعة إيلاماً أن الراحل كان، وفق المعطيات المتداولة، أباً لطفلين وفي ريعان عطائه. رحل وهو يؤدي واجباً إنسانياً، لكنه ترك وراءه طفلين يحتاجان إلى أبيهما، وأسرة تحتاج إلى السند، وقطاعاً تعليمياً فقد واحداً من أبنائه.

ومن هنا تأتي الدعوات التي أطلقتها المجموعة الوطنية لأساتذة المغرب عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، للمطالبة بمواكبة وضعية أسرة الراحل، والحفاظ على الاستقرار المادي والاجتماعي لطفليه، بما يضمن لهما العيش الكريم وعدم ترك الأسرة وحيدة أمام تبعات هذه الفاجعة.

إنها دعوة تتجاوز التعاطف العابر؛ لأنها تضع سؤالاً أكبر أمام المؤسسات: كيف يمكن أن نكرّم تضحية رجل قضى وهو يحاول إنقاذ حياة إنسان، من خلال حماية أسرته وأطفاله بعد رحيله؟

لقد خلفت وفاة الأستاذ المحجوبي محمد الصغير صدمة نفسية وحزناً عميقاً لدى زملائه وتلامذته وأصدقائه والمتابعين، خصوصاً أن تفاصيل الحادث تحمل مفارقة موجعة: طفلة نجت من الموت، بينما فقدت أسرتان أباً وسنداً، وفقدت الأسرة التعليمية أستاذاً في مقتبل العطاء. وقد وصفت تغطيات محلية الواقعة بأنها فاجعة إنسانية تركت حزناً واسعاً في تاوريرت والناظور.

وفي زمن تتراجع فيه أحياناً قيم التضامن أمام الحسابات الفردية، تأتي مثل هذه المواقف لتقول إن هناك أشخاصاً ما زالوا يملكون القدرة على التضحية من أجل الآخر.

المحجوبي محمد الصغير لم يترك درساً في الفلسفة فقط، بل ترك درساً في الإنسان.

رحل الأستاذ، لكن صورته ستظل مرتبطة بلحظة اختار فيها أن يواجه البحر لإنقاذ طفلة. وسيظل السؤال مفتوحاً في وجدان أسرته وزملائه وتلامذته: هل يمكن أن يكون تكريم هذا الرجل مجرد كلمات رثاء، أم أن التكريم الحقيقي يبدأ من حماية طفليه وضمان مستقبلهما؟

في شاطئ المهندس، ابتلع البحر جسدين، لكنه لم يستطع أن يبتلع معنى التضحية.

وفي تاوريرت، سيبقى اسم الأستاذ المحجوبي محمد الصغير حاضراً في ذاكرة تلامذته وزملائه، باعتباره رجل تعليم غادر الحياة وهو يؤدي أسمى امتحان: أن ينتصر الإنسان للإنسان.