لا أحد ينكر أن للبرلمان أو المؤسسة البرلمانية هيبة ومستوى رفيع ما بين إدارات وسلطات الدولة، فهي من جهة السلطة التشريعية التي تناط بها مهمة التشريع في العديد من الميادين، ومن جهة أخرى فهي صوت الشعب والسلطة التي تنوب عنه في مراقبة الحكومة .

    ومن هذا المنطلق فالسلوكات التي يقوم بها ممثلو الأمة داخل هذه المؤسسة يجب أن تتحلى بالرزانة والمصداقية وعدم التهور (ربما هذا ما يتمناه كل مهتم بالحقل السياسي  المغربي) .

   الواقع اليوم وخصوصا في السنوات الأخيرة ينبأ باتجاه السلوك البرلماني إلى الإستثمار في الفكاهة الساخرة عوض التفكير في حل لمشاكل المواطن، فنحن في يومنا هذا نسجل تدهورا في اللغة السياسية داخل رحم التشريع المغربي، فالصراعات التي تنشأ ما بين الوزراء والنواب تحول جلسات البرلمان إلى حلبات للمصارعة اللغوية يتأسف عنها كل من يشاهدها على قنوات البث العمومي ، في نفس الوقت الذي يظن فيه البرلماني أنه أدى دور البطل في أحد الأفلام الساخرة .

   إن اللفظ ببعض الكلمات من قبيل "الكلام الخاوي" أو " اللي فيه الفز كايقفز "  "سير بحالك " ... ، وأيضا القيام بسلوكات مثل النوم  أو لعب الشطرنج ، إظهار المفاتن ، التلويح بالرأس لمدة طويلة في تعبير عن السخرية من سؤال أو تدخل ما ، إستخدام الأجهزة الألكترونية للهو ، قراءة الجرائد ،  تعرية البطن أمام الملأ للتوضيح أنه لم يأكل شيئا من الباطل ، كلها سلوكات لا تمس بصلة للمقام الذي منحه الدستور لهذه المؤسسة.

    ما دار اليوم في جلسة الأسئلة الشفوية  بمجلس النواب من صراع حمي وطيسه بين الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالحكامة محمد الوفا وعبد العزيز أفتاتي نائب برلماني عن دائرة وجدة أنجاد من جهة ، والفريق الدستوري ممثلا في ياسين الراضي  من جهة أخرى،  يبين وبجلاء  تحول البرلمان المغربي إلى غرفة للصراع ليس إلا ، فالجلسة رفعت بعد أن اتضح أنه لا يمكن اتمامها بسبب التشاحنات وعدم الإنضباط في صفوف الحضور .

في ضل هذا الوضع يتسائل المرء عن جدوى الخطاب الملكي الذي دعا السادة النواب إلى : " بلورة مدونة أخلاقية ذات بعد قانوني٬ تقوم على ترسيخ قيم الوطنية وإيثار الصالح العام٬ والمسؤولية والنزاهة٬ والالتزام بالمشاركة الكاملة والفعلية٬ في جميع أشغال البرلمان٬ واحترام الوضع القانوني للمعارضة البرلمانية ولحقوقها الدستورية، على أن يكون هدفكم الأسمى جعل البرلمان فضاء للحوار البناء٬ ومدرسة للنخب السياسية بامتياز، فضاء أكثر مصداقية وجاذبية٬ من شأنه أن يحقق المصالحة مع كل من أصيب بخيبة الأمل في العمل السياسي وجدواه في تدبير الشأن العام"[1]

    تلي الخطاب وانصرف النواب ليعودوا في باقي الجلسات إلى سابق عهدهم مرة أخرى ، فكيف إذن لمن لم يحترم خطاب الملك إحترام الشعب .؟

كل هذا يعيد طرح العديد من الأسئلة إلى الواجهة من قبيل :

-  ما هو دور البرلمان المغربي ؟

- هل هذا هو البرلمان الذي ينتظر منه إصدار القوانين التنظيمية التي لازالت لم ترى النور بعد  ( قانون الإضراب، القانون التنظيمي  الذي يحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية؟؟ .

- متى ستصل وثيرة التشريع البرلماني إلى مستوى وثيرة التشريع الحكومي ؟

- هل هنا ستدرس الملفات الشائكة التي تعرف المملكة صندوق المقاصة، التقاعد  ... ) ؟؟؟

     كل هذا يؤسس إلى سلوك برلماني جديد تطور في ظل الولاية الحالية لا يمس بصلة للبرلماني الغيور على وطنه .



[1] مقتطف من خطاب جلالة الملك محمد السادس في افتتاح السنة التشريعية الحالية