زايد جروـ الرشيدية / جديد انفو

مرت سنتان تقريبا على إغلاق مقهى إملشيل بمدينة الرشيدية ،المقهى الذي بدأ وشرع في العمل بداية الثمانينات واستمر بكل الطرق حتى جاء قرار الإغلاق بحكم قضائي، فتشرد الزبناء  مرغمين بعدما كان  الفضاء جسرا للتواصل بين المثقفين والفنانين وعابري السبيل والزوار من داخل الوطن وخارجه، حيث يعتبره الجميع إلى حد الساعة' روبير ' للتوقف أو الوقوف وهو المكان الذي لا يتيه جوال بنعته له.

مررت اليوم كعادتي بجانب المكان وكما أفعل كل مرة: أقرأ الفضاء الممتلئ بالفراغ والهوام ،ولا ضجيج ولا صوت، ولا نادل ولا ساع .. صعدت قليلا في الدرج وتجولت  بالمكان دون خلسة وما عيني الى الناس وهي تنظر  رغم السياج ، ..قد أكون مخطئا في الفعل لكنه العشق والسلام ...بالداخل  حديقة تضررت كثيرا واحتضرت ،ولا شيء غير قنينات ' ستورك ' منعزلة ويتيمة وتائهة دون جلسة إمتاع أو مؤانسة... وفراش ممزق الله يعلم بالأجساد التي تمددت فوقه ونوافذ محطمة ..فعدت للذكرى وكلما مرّ بي طيف الفضاء لبسني ثوب الحنين للماضي، قد يكون ذاك من العجز والتقدم في السن الذي يجعلك بل يرغمك على القول بأن ما مضى أحسن من الحاضر والآتي .. أحببنا المكان رغم ما فعله بنا أحيانا او ما فعلنا به احيانا أُخر ،ونشتاق إليه لأنه كان سببا في إسعادنا للحظات ما، أو لأنه سببا في وجعنا لفترات ما ،هي المفارقات العجيبة للذاكرة، أماكن تسكننا ونسكنها أيضا نغادرها بأجسادنا ،وتبقى فينا كٓنُدب لا يشفى جرحها ولا يندمل ألمها، تؤلمنا لكنها تذكرنا بأننا عشنا بصدق فيها .

مقهى إملشيل ليس مجرد جغرافيا نمرّ بها، بل محطة خفية كانت تعيد ترتيب أرواحنا وأوراقنا . وهي زوايا احتوت ضعفنا وقوتنا دون سؤال، ومنحتنا الأمان في هشاشتنا، فصارت جزءا من ذاكرتنا العاطفية، فيها تعلمنا كيف نصغي لأنفسنا، وكيف ننهض بعد انكسارات ،  وكيف نعشق الكلمات، وكيف نسير على أوزان الخليل ،هناك تركنا شيئًا منا وأخذنا معنا قوة لا تُرى، قوة نكتشفها كلما ساقنا الزمن لحوافها حيث تحرّكنا  الأشجان لنكون أكثر صدقًا مع الذات، وأكثر قدرة على الاستمرار. 

شكرا للذين طوعوا المكان من زمان وشكرا للذين سيختارون ما يناسب حجم ذاكرتنا ،من مشاريع تحافظ على الذاكرة الجماعية للساكنة والزوار ،ولا للمشاريع الاقتصادية التي تدر الربح على آخرين ملهوفين لاقتناص الفرص ،ولا لبنايات إدارية يُحشد فيها موظفون وموظفات همهم ذاك ما تعرفون ، ونعم لكل متحف أو مكتبة أو ما يليق بحجم الذاكرة وتحية خالصة لكل نادل مر من هناك وهم يعرفوننا ونعرفهم، ونهمس في آذانهم  : فكلما مرّ طيفكم، عادت الذكرى لنا في ثوب الحنين ، وتحية لكم على خلالكم وصبركم .