د سيدي محمد رشيد الحاميدي* /جديد انفو
ليست المحاماة في المغرب مجرد مهنة منظمة بقانون ، بل هي إحدى الدعائم الدستورية للعدالة بالمملكة الشريفة ، وشريك أصيل في حماية الحقوق والحريات ، وضمان المحاكمة العادلة ، وصون دولة الحق والقانون . ولذلك فإن كل تعديل تشريعي يمس استقلالها لا يقتصر أثره على المحامين ، وإنما يمتد إلى حق المواطن في الدفاع ، وإلى التوازن الدستوري الذي يقوم عليه القضاء . واليوم ، في خضم هذه الأزمة الخانقة ، وبعد شهر كامل من التوقف الذي تعيشه هيئة الدفاع ، لم تعد الأزمة أزمة فئوية أو مطلبية ، بل أصبحت أزمة وجودية تهدد مؤسسة دستورية لعبت ، عبر عقود ، أدواراا وطنية وحقوقية كبرى . إن استمرار هذا الوضع ينذر بإضعاف الثقة في العدالة ، ويجعل من الحوار ضرورة دستورية لا خيارا سياسيا . فهل يليق بمغرب العدالة الإنتقالية والدستور الجديد هذا البلوكاج الذي يسيء لتراكمات دولة الحق والقانون .
إن الأنظار تتجه إلى المحكمة الدستورية ، التي ينتظر أن تبسط رقابتها على مشروع القانون خلال الأسبوع الأول من شهر غشت المقبل . وهي لحظة دستورية فارقة في تاريخ مغرب ما بعد دستور 2011 ، لا لأن المحكمة مطالبة بالإنحياز إلى طرف دون آخر ، وإنما لأنها مدعوة إلى الإنتصار للدستور ولروحه ، باعتباره المرجعية العليا التي تسمو على كل الإعتبارات السياسية والظرفية . إن الرهان اليوم ليس على مصير مشروع قانون فحسب ، وإنما على مدى قدرة الرقابة الدستورية على حماية المبادئ التي كرسها دستور المملكة ، وفي مقدمتها استقلال المهن القانونية ، والأمن القانوني ، والمساواة ، وتكافؤ الفرص ، والحقوق المكتسبة . ولقد أثارت مقتضيات متعددة من المشروع نقاشا دستوريا واسعا ، من بينها ما نعتبره
تكريسا لتدخل السلطة الحكومية المكلفة بالعدل في مجالات ترتبط تاريخيا بالإستقلال الذاتي للمهنة ، سواء على مستوى الولوج ، أو التكوين ، أو تدبير الشأن المهني ، بما يثير تساؤلات عميقة حول حدود استقلالية المحاماة باعتبارها مؤسسة مستقلة وليست إدارة تابعة .كما يطرح المشروع إشكالا بالغ الحساسية فيما يتعلق بضمانات حصانة المحامي أثناء ممارسة مهامه ، من خلال اعتماد عبارات عامة وفضفاضة من قبيل " كل إخلال بالجلسة " !! وكأننا أمام نسخة خاصة من قانون " كل ما من شأنه " !! ، دون حصر دقيق للأفعال المكونة لهذا الإخلال ، وهو ما قد يفتح الباب أمام تأويلات متفاوتة ونزع الاختصاص من مؤسسة النقيب بخصوص التأديب ، ويؤثر في الضمانات المرتبطة بحرية الدفاع ، ويجعل النص القانوني في حاجة إلى أعلى درجات الوضوح والدقة ، انسجاما مع مبدأ الأمن القانوني . ويثير مشروع القانون المشؤوم كذلك نقاشا دستوريا بشأن إخضاع هيئات ومؤسسات مستقلة لرقابة المجلس الأعلى للحسابات ، رغم أن طبيعتها القانونية وتمويلها الذاتي يثيران تساؤلات حول مدى انسجام هذا التوجه مع فلسفة استقلال التنظيمات المهنية التي لا تقوم على تدبير المال العام . ولا يقل خطورة عن ذلك ما جاءت به المادة 118 من المشروع ، برفع الحد الأدنى لعدد المحامين اللازم لإحداث هيئة مستقلة إلى خمسمائة عضو ، وهو مقتضى نرى فيه مساسا بالحقوق المكتسبة ، وإخلالا بمبدأ تكافؤ الفرص والعدالة المجاليية ، وإقصاء فعليا لأقاليم بكاملها ، وفي مقدمتها جهة درعة تافيلالت ، التي ما تزال تنتظر إنصافا تنمويا ومؤسساتيا طال أمد انتظاره . فالجهة التي حُرمت لسنوات من جامعة مستقلة ، ومن طريق سيار ، ومن مستشفى جامعي ، تجد نفسها اليوم مهددة أيضا بحرمانها من حقها في احتضان هيئة مستقلة للمحامين ، بما يكرس مزيدا من التبعية الإدارية والمؤسساتية ، ويطرح سؤال الإنصاف الترابي وتكافؤ الفرص الذي جعله الدستور خيارا استراتيجيا للدولة . إن العدالة المجالية ليست شعارا سياسيا ، بل التزام دستوري . واستقلال المحاماة ليس امتيازا لفئة مهنية ، بل ضمانة لكل مواطن قد يجد نفسه يوما في حاجة إلى دفاع حر ومستقل وشجاع . ومن هنا ، فإن النداء الأول يتوجه الى عموم المحاميات والمحامين بالمغرب لأجل المزيد من الصمود في ظل التزام مؤسساتنا المهنية مشكورة ومدعومة بالقواعد بالاستمرار في التوقف الشامل مع الالتزام به مرحليا وتأكيده في لقاء اليوم الى حين تحقيق المطلوب كما يتوجه إلى المحكمة الدستورية ، بصفتها الحارس الأمين لسمو الدستور ، كي تمارس رقابتها بكامل الإستقلالية المعهودة والحياد المنتظر ، وأن تجعل من الوثيقة الدستورية وحدها معيارا للحكم على مدى مطابقة النصوص المعروضة عليها ، حماية لاستقلال الدفاع ، وصونا لدولة المؤسسات والقانون .
وبالمناسبة يتوجه هذا النداء إلى المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية ، وإلى الهيئات المهنية والقانونية عبر العالم ، لمواكبة هذه اللحظة المفصلية ، دفاعا عن المبادئ الكونية لاستقلال مهنة المحاماة ، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من منظومة العدالة وحقوق الإنسان . ويبقى النداء الأسمى موجها إلى العاهل الكريم ، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله ، الضامن لاستقلال القضاء ، وحامي الحقوق والحريات ، والساهر على احترام الدستور . إن الأسرة المهنية للمحاماة ، وهي تستحضر الثقة الراسخة في حكمة جلالته وهو من ارتدى بدلة الرسالة السامية وهي الصورة التى نفتخر بها وحملناها رفرافة بوقفة الرباط فخرا وافتخارا ، تناشد تدخله بما يضمن إعادة الأمور إلى مسارها المؤسساتي السليم ، ويفتح أفق الحوار والتوافق بعد تجميد هذا المشروع المشؤوم واعادة ترتيب الانور مستقبلا فالقانون الحالي جد متقدم ولم يمر على تعديله عقدين من الزمان في وقت لازلنا نشتغل بقوانين موضوعية تعود لعهد الحماية وكان حريا بالحكومة تبني معركة محاربة الفساد بسن قوانين محاربة الاثراء غير المشروع وغيرها بدل خلق نقاش مجاني غير مفهوم بلدنا في غنى عنه ، ومن المفروض الحفاظ للمحاماة على استقلالها ، وضمان للقضاء هيبته ، وللمواطن حقه في دفاع حر ومستقل . إن التاريخ لا يخلد القوانين التي أُقرت بالأغلبية ، وإنما يخلد العدالة التي انتصرت للدستور . فلا تغتالوا المحاماة صونا لسؤداد هذا الوطن العظيم ، لأن اغتيال المحاماة بداية لإضعاف العدالة ، وإذا ضعفت العدالة ، خسر الوطن بكل مكوناته .
* د سيدي محمد رشيد الحاميدي ، محام بهيئة مكناس ، الرشيدية ورئيس لجنة المنازعات والشؤون القانونية المكتب التنفيدي لجمعية الدفاع عن حقوق الإنسان ، ٠
|
|