القصة الأولى: ذاهب بلا عودة

اسمي ياسين، حصلت على دبلوم في العلوم الرياضية ورغم ذلك لم يتم قبولي في لائحة الناجحين في الأقسام التحضيرية، رغم أنني كنت أحتل الرتبة الأولى في منطقة الجنوب في مادة الرياضيات والفيزياء. والسبب هو إعطاء مكاني لابن عامل سابق بالإقليم.

لذلك قررت أن أسجل نفسي في الجامعة من أجل الحصول على الإجازة. ودرست جيدا وحصلت على شهادة استكمال الدروس بميزة حسن وذهبت لاجتياز امتحان شفوي حتى أتمكن من تسجيل نفسي في إجازة متخصصة في التسيير. وهنا أيضا سأكتشف أن الامتحان الشفوي مجرد مسرحية، وأنني كنت ضمن مجموعة من ثلاثة طلبة لا يمكن أن تختار منها اللجنة سوى طالب واحد. وطبعا أخذوا طالبة اكتشفنا في ما بعد أنها كانت مخطوبة لأستاذ في الجامعة.

حصلت على الإجازة بميزة حسن، وكان ترتيبي هو الثالث في دفعتي. وأقنعت أبي لكي يساعدني على الذهاب إلى فرنسا لاستكمال تكويني، لأنني وصلت إلى حد من القرف لم أعد أستطيع معه تحمل المزيد. فقال لي أبي «اسمع يا ولدي، سأقترض من أجلك عشرين ألف درهم، وبعد ذلك عوم بحرك».

أنا الآن في فرنسا. وأستطيع أن أقول لكم إنني أرى نفسي من الآن مفتش شغل. وطبعا هذه الوظيفة لا علاقة لها بوظيفة «مفتش عن شغل» التي كنت سأحترفها لو بقيت في المغرب.

ورغم قوانين الحكومة الفرنسية التي حررت العيشة على المهاجرين، فإن أستاذي الذي يشتغل أيضا كخبير محاسبات في مدينة «ليل»، اقترح علي عقد عمل غير محدد، ويريد أن يساعدني لكي أحصل على أوراق الإقامة. ليس لأنه سقط في حبي، ولكن لأنه قال لي إنهم محتاجون إلي، وستكون خسارة أن يتركوني أعود إلى المغرب. العودة إلى المغرب، إنه أمر لا يراودني حتى في الأحلام.

وتأكد أنني إذا حدث، لا قدر الله، وكنت مجبرا على العودة إلى المغرب، فإنني سأصنع تماما مثلما صنعوا معي عندما كنت طالبا. لأنهم حطموا أحلامي.

القصة الثانية: الكرامة أولا والحياة ثانيا

أنا يونس، حصلت على إجازة في الرياضات التطبيقية من المغرب، وبفضل منحة دراسية ذهبت إلى بلجيكا لتحضير شهادة الدراسات المعمقة وشهادة الدكتوراه في مدرسة البوليتيكنيك بمدينة «لوفين». زرت فلوريدا لمدة ثمانية أشهر ودرست بجامعة فلوريدا ستايت يونيفيرستي، واستطعت خلال هذه المدة أن أشتغل كمستشار علمي لصالح مشروع المؤسسة الوطنية للعلوم.

طيلة كل هذه السنوات استطعت أن أتسلق السلالم العلمية الواحد بعد الآخر. شاركت في محاضرات عديدة، وشيدت سمعة عالمية في تخصص الرياضيات الذي هو مجالي. وهكذا حصلت في النهاية على سيرة ذاتية من 12 صفحة.

في شهر سبتمبر من سنة 2004، سأقترف حماقة اسمها حب الوطن، واعتقدت أن بلدي المغرب يحتاجني أكثر من أي بلد آخر وفكرت في العودة. وهكذا بدأت محنتي. من الابتزاز في الجامعات، حيث يطلب البعض مقابلا ماليا لتوظيفي، مرورا بالمباريات المغشوشة واستدعاءاتها التي تصل دائما يومين بعد إجراء المباراة وكأن المغرب ليس فيه هاتف، وانتهاء بكارثة اسمها المعادلة العلمية للشهادة. وهنا لا أتحدث عن الأشياء الغريبة التي تحدث لملفك الذي تقدمه للجنة المعادلة، كضياع الوثائق بشكل غريب، مثلا.

قضيت ثلاث سنوات ضائعة من حياتي في المغرب في الشوماج تيكنيك. وخلال هذه السنوات الثلاث وضعت ما يفوق 300 ملف. وتمكنت من اجتياز مباريات اختيار لمنصب أستاذ مساعد. في واحدة من هذه المباريات طلبوا مني أن أقدم في خمس دقائق كل ما عندي. فيما الذين مروا قبلي أعطوهم كل الوقت الذي أرادوا. ربما لو أنني تقدمت أمامهم بـ«ميني جيب»، فربما كان حظي سيكون أفضل.

حاولت مع القطاع الخاص، لكنهم في كل مرة كانوا ينصحونني بأنه يجب أن أعرف شخصا ما لكي أتوظف.
وخلال هذه السنوات الثلاث كنت أتلقى عروضا مغرية من كل بلدان العالم، وفي كل مرة كنت أقول لزوجتي إننا يجب أن ننتظر فرصتنا في المغرب. عشت مع زوجتي وطفليّ الاثنين شهورا قاسية، براتب زوجتي الذي لا يتعدى 3500 درهم. والحمد لله أن مساعدة الوالدين كانت بالنسبة لنا حصنا منيعا ضد الحاجة. وذات يوم نفد صبري وقبلت بمنصب «شريك بحث» بجامعة مانشستر ببريطانيا، براتب وزير في المغرب. لم أصدق نفسي، لقد قبلوني بناء على سيرتي الذاتية، بينما في بلادي المغرب لم يكونوا يقبلون حتى باستدعائي لرؤية وجهي.

عندما أحكي قصتي للناس هنا يقولون لي إن مستوى التعليم الجامعي في المغرب يجب أن يكون عاليا، ولذلك لم أنل حظي في التوظيف. فأقول لهم في نفسي، نعم عال جدا، لكن في الجهة المعاكسة.

لم أفكر يوما في الذهاب للاحتجاج أمام البرلمان. لسبب بسيط وهو أنني لم أكن أبحث عن وظيفة أختفي فيها، وإنما عن وظيفة أتمكن من خلالها من خدمة بلدي. أقول بلدي لكنني في الحقيقة لم أعد أشعر بهذا الارتباط. المغرب الحالي ليس هو المغرب الذي في ذكرياتي. أخلاق المغاربة تغيرت وثقافتهم تبدلت. إنني أرفض أن يكبر أطفالي في بلاد أصبح الكلام النابي رياضة وطنية في شوارعها ومدارسها. أرفض أن يكبروا في بلاد شوارعها مليئة بالمجرمين الذين يقرصنون الحافلات ويسطون على ممتلكات الناس بعد «شرملة» أجسادهم.

ومع ذلك فأنا مستعد للتضحية بكل شيء والعودة إلى المغرب لكي أخدم بلدي. أنا مستعد للتضحية بحياتي، لكنني قطعا لست مستعدا للتضحية بكرامتي.

القصة الثالثة: إن مع العسر يسرا

هذه قصتي مع الطب: عندما كان عمري ثماني سنوات كنت أدرس ليلا تحت ضوء الشموع بسبب انقطاع الكهرباء عن الحي، وكان بجانبي والدي الذي يساعدني في حل الواجب المنزلي، فسألته عن المهن التي يمكن أن أعملها في مستقبلي. فعدد لي بعضها وأجاب عن كل أسئلتي عن طريقة الدراسة ومدتها منذ الابتدائي حتى الجامعة. فقلت له كأي تلميذة مثالية، إنني أريد أن أصبح طبيبة حتى أعالج المرضى وأخفف عنهم معاناتهم.

وبالفعل درست بجد منذ ذلك الحين ولم أستمتع بطفولتي ولا بمراهقتي على غرار من كانوا بنفس سني، فدراسة الطب تحتاج إلى التفرغ التام. وبعد جهد كبير حصلت على شهادة الباكالوريا بمعدل 15 وولجت كلية الطب. وفي يومي الأول استقبلنا عميد الكلية آنذاك، وكان يحمل لقب بروفيسور بابتهاج كبير، وألقى علينا خطبته الشهيرة التي يرددها في بداية كل سنة لكل دفعة جديدة قائلا:

أنتم قشدة القشدة، «لاكريم ديال لاكريم».

ومن شدة فرحتي وافتخاري بنفسي صدقته. لكن ما فتئت السنوات تمر حتى بدأت أكتشف أن ما قاله لم يكن سوى مجرد وهم. فالبرنامج الدراسي كان طويلا ويحمل الطلبة أكثر من طاقتهم، وهو في مضمونه ليس ضروريا للطبيب معرفته، خصوصا في السنتين الأوليين أو ما يسمى بالعلوم ما قبل السريرية. وحتى دراسة الأمراض وكيفية التعامل مع الحالات والعلاج، لم تدرس بشكل جيد، فأنا الآن أمضي وقتا طويلا على الأنترنيت لاستكمال معارفي في الطب بحيث اكتشفت أنه ينقصني الكثير من المعارف والمعلومات. أضف إلى ذلك قسوة الامتحانات التي لا تسعى إلى اختبار مدى استيعاب الطالب للدروس، ولكن إلى إيقاعه في الفخ حتى يعيد الامتحان، تماما مثل الشرطي أو الدركي الذي يختبئ وراء الشجرة أو سيارته على الطريق لضبطك متلبسا بالمخالفة.

أما عن التداريب الاستشفائية فحدث ولا حرج. فأحيانا يسبق التدريب دراسة المادة فلا يستفيد الطالب نهائيا من التدريب بسبب جهله للأمراض. أما التأطير فمنعدم تماما، اللهم إلا في مصلحتين اثنتين هما مستشفى الولادة ومصلحة التصوير بالأشعة في مستشفى الاختصاصات. أما عداهما فكل بروفيسور مشغول بعيادته الخاصة التي تدر عليه الأموال لدرجة أننا لا نعرف حتى وجوه بعضهم، وهي الأموال التي يستثمرونها في العقار إلى درجة أنهم تسببوا في رفع أسعار الأراضي الفلاحية بسبب إقبالهم المرضي على تشييد الضيعات الفلاحية التي ينافسون بها الفلاحين الصغار.

وبعد الحصول على الشهادة «المباركة مسعودة» التي لطالما من أجلها سهرت الليالي الطوال واحتملت البرد القارس والحر الشديد وليالي الحراسة الطويلة، أجد نفسي غير راغبة فيها، بل إنني أحيانا أكرهها وأكره كل ما له صلة بالطب.
ورحم الله أحد البروفيسورات الذي كان ينادينا دائما بالبؤساء، فقد كان صادقا في وصفه.

هذه قصتي مع الطب، والآن وبعد كل هذه المعاناة والصبر، سيكون علي أن أنتظر صدور مباراة التعيين التي تصدرها وزارة «قلة الصحة»، والتي قد تأتي ولا تأتي.

وكيف يعقل أن يتم تشغيل الأطباء والممرضين بعد إجراء مباراة، في الوقت الذي تئن فيه المستشفيات من قلة الأطر الطبية والممرضين؟.

وهل تعلمون ما هو محتوى المباراة، إنه يتلخص في أسئلة مثل «كم عدد الفحوصات الطبية في السنة؟ وما هو عدد الإصابات الجديدة من السل؟». يعني مجرد إحصاءات لا غير. المباراة لا علاقة لها بالمخزون المعرفي للطبيب، بل إن الوزارة لم تضع برنامجا محددا للإعداد للمباراة، بحيث يكون الطبيب مجبرا على البحث عن كل المعلومات الموجودة على الموقع الإلكتروني البائس للوزارة.

ووسط كل هذه المشاكل وبعد كل هذا الجهد لم تكن المكافأة كما توقعتها، بل وجدت نفسي مصابة بمرض في القلب لم أخبر والدي عنه إلى الآن، حتى لا أحملهما مصاريف علاجي، وحالتي تزداد تدهورا حيث أصبحت أصاب بصعوبة التنفس والإجهاد عند الحركة.

هذه هي حال الأطباء وحال الصحة في المغرب. فكيف تسعى الوزارة إلى تحسين الوضع الصحي في البلاد، في الوقت الذي تقف فيه عائقا بين المرضى والأطباء والممرضين؟.

أنا الآن مستعدة لأي عمل من أجل الهروب من شبح البطالة الذي ما عدت أشك لحظة واحدة أنه سيدفعني إلى الانتحار لولا إيماني بأن مع العسر يسرا.