حفيظ كرومي *- جديد انفو
تنتشر لدى العموم، فكرة أن جهة درعة تافيلالت، تصنف الأفقر وطنيا؛ غير أن الأمر لا يتعلق بالفقر الاقتصادي الصرف المعزول عن التأثيرات الخارجية، بل الجهة تمثل فضاء إنتاج وإعادة إنتاج الفقر-أي تدويره- عبر آليات متمركزة، فهو (الفقر) ليس حادثا عرضيا، بل نتيجة لفترة طويلة جدا من التهميش ومن اختلال السلطة بين المركز والهامش، حيث تصاغ في الأول السياسات العمومية ممن هم أعلى، ويتم تنزيلها منقوصة ومعطوبة، ويعاد تبرير فشلها او ضعفها بخطاب يفرغ المسؤولين من مسؤوليتهم وحتى من حق الجمهور في السؤال.
ولا يجدر بنا حصر تعريف جهة درعة تافيلالت، بكونها حيزا ترابيا مؤطر بحدود مجالية وحدودية، بل هي كيان مثقل تاريخيا بطبقات من الإقصاء البنيوي المركب، وبإرث طويل من التهميش في مقابل تنمية المركز وتسمينه، حيث تدار التنمية ويخطط لآليات تنزيلها وتبرمج ميزانياتها، فهي تمثل بشكل واقعي حالة نقص حاد في الموارد الأساسية من جهة الانسان، بينما الواقع يفند ذلك من جهة المجال.
في التعريف الميتاوي للإعلام، نجده بنية فاعلة في إنتاج المعنى وتوزيع السلطة الرمزية داخل مجال الفعل، فالأقرب الى حصره وظيفيا؛ تعبير هابرماس؛ الذي اعتبره ذلك الفضاء العمومي الذي تتم فيه مناقشة وبلورة القضايا المشتركة التي تهم المجتمع، وتجرد فيه الحاجيات والمطالب الاجتماعية، ويمارس عبره الضغط الديمقراطي والحيوي على مراكز القرار، إلا أن هذا المكون، في الجهات المهمشة مثل جهة درعة تافيلالت، غالبا ما يظل فارغا من أي معنى واقعي، ويتم "تقويضه" إما بالخطاب الرسمي الإداري أو "تشويهه" باللبوس الحزبي، ما يحوله من فضاء للتداول والنقاش الى مجرد "فاعل مردد Répéteur لكل الإرادات، إلا تلك الخارجة من رحم المجتمع".
ولقد جرى، لسنوات عدة، اختزال جزء مهم من الإعلام الجهوي بدرعة تافيلالت، في أدوار بسيطة؛ تتعلق أساسا بمواكبة الأنشطة الرسمية وتضخيم المنجزات الافتراضية، وتحييد الأسئلة المقلقة، وهو ما حوله إلى امتداد ناعم للإدارة والسلطة أو ملحق اتصالي للأحزاب.
لا يمكننا أن ننكر، بأن الإعلام الجهوي ليس وسيطا تقنيا بين الحدث والمتلقي وحسب، بل فاعلا ومنتجا للمعرفة، كما يحيل على ذلك يورغن هابرماس، حين اعتبر أن من يمتلك سلطة تشكيل الفضاء العمومي يمتلك، بالضرورة، القدرة على ترتيب الأولويات، وتحديد ما يُرى وما يُطمس، وهنا تتجلى الوظيفة الأولى المفترضة للإعلام الجهوي؛ التفكيك الإخباري، وهو ما يتعارض مع نقل الوقائع كما تُقدَّم، بل يمتد إلى إعادة تشريحها و مساءلة خلفياتها وربطها بسياقاتها السياسية والاقتصادية، فالإعلامي الذي يكتفي بإعادة تدوير بلاغات المجالس والقطاعات الوزارية والإدارة الترابية، لا يمارس الإعلام، بل يشارك في إنتاج العمى الجماعي، كما عبر عنه جوزيف بوليتزر، بالقول "الصحافة التي لا تُزعج السلطة لا تُصلِح المجتمع".
أما الوظيفة الثانية، تتعلق بالتثقيف والتوعية، فالتنمية بمختلف أبعادها، ليست مسألة اسمنت وطرق فقط، بل مسألة وعي بالحقوق والقدرة على اتخاذ القرار، ففي درعة تافيلالت، ما يزال كثير من المواطنين يجهلون أين تبدأ مسؤولية المسؤولين بمختلف مواقعهم وأين تنتهي، ومن يقرر، ومن يمول ومن يعرقل، ومن يفرض مصلحته الخاصة؛ فإعلام لا يشرح هذا البنية ومختلف الفاعلين فيها، يُساهم ولو بصمته، في إعادة الجهة للوراء وتدوير العجز والتهميش والتخلف، فالتثقيف، هنا، لا يعني الوعظ، حيث يؤكد ذلك باولو فريري، بالقول أن "التحرر يبدأ حين يفهم الناس آليات إخضاعهم"، عبر ترجمة المفاهيم الثقيلة، مثلا، من قبيل، الجهوية المتقدمة و الميزانيات والعقود-البرامج والاختصاصات، من لغة تقنية مغلقة إلى معرفة مبسطة.
بينما الوظيفة الثالثة والأكثر أهمية بالنسبة للإعلام الجهوي، فهو الترافع؛ حيث تتحول حاجيات ومطالب الجهة، إلى قضايا رأي عام وطني، ويجعل من التهميش عبئا أخلاقيا -بالدرجة الأولى- على المركز، كما أبرزت ذلك تجارب دولية في اسبانيا وإيطاليا، حين لعب الاعلام دورا حاسما وحازما ومحوريا، من أجل الضغط على المركز من أجل نقل الاستثمارات والاختصاصات، عبر خطابات محرجة ومتزايدة ومكثفة، مع الالتزام التام بالاصطفاف حول المجتمع ومصلحته الصرفة.
هذه الوظيفة، هي الأكثر ازعاجا للسلطة محليا ومركزيا؛ و تستوجب انتقال الاعلام من وضعية الشاهد إلى الفاعل والخصم، خصم للسياسات العمومية التي تعيد انتاج الهشاشة تحت مسميات مختلفة، كما أن الترافع أيضا لا يُجسده "الصراخ" بل بناء خطاب ضاغط وتراكمي وملح ومحرج، بحيث يصبح الإعلام أداة ضغط شرعية في شكل "لوبي جهوي" يشتغل على الزمن الطويل ويرفض منطق المناسبة او المهادنة.
في جهات المملكة، كما في جهة درعة تافيلالت، برزت -بخجل- تجارب إعلامية جهوية تحاول الخروج من عباءة الاعلام الرسمي أو الحزبي؛ عبر منصات رقمية وصحافة مواطنة وصفحات إخبارية، اتخذت من الخروج عن المألوف والتطرق للتفاصيل المنسية، شعارا لها، كمعالجة مواضيع العزلة والعطش في القرى وتعذر الاستفادة الكاملة والجيدة من الخدمات الأساسية وهشاشة الطرق وغياب العدالة المجالية؛ هي منصات هشة ماديا، لكنها تمتلك قدرا لا بأس به من الجرأة في طرح الأسئلة غير العادية، من قبيل، أين ذهبت وعود الاستثمار؟ لماذا تتعثر المشاريع؟ من يقرر؟ من يحاسِب؟ من يحاسَب؟
هذه التجارب على محدوديتها وضعف إمكانياتها، تمثل ما أسماه بورديو ب "المقاومة الرمزية" أي كسر احتكار المعنى، كما تمثل شقوقا في جدار الصمت، ونواة لإعلام جهوي مستقل عن السلطة، لا يدين بالولاء إلا للحقيقة الساطعة، ولمصلحة المجتمع، الذي من دون إعلام جهوي جاد، سيجعله رهين التلقي السلبي لقرارات تتخذ وتنفذ باسمه لا بمشاركته.
إن الخطر المحدق بدرعة تافيلالت، ليس الفقر، بل التطبيع مع فكرة الفقر، وتدجينها إعلاميا، وتحويلها إلى قدر مجالي جغرافي لا يد للإنسان فيه وفي إعادة تدويره، يجعل الهشاشة والتهميش مصيرا حتميا والصمت تعقل وحصافة وبصيرة ونظرة ثاقبة، وبالضرورة، فبقاء الإعلام الجهوي على وضعه، سيجعله جزءًا من المشكلة، مالم يتحول إلى أداة ترافع ومقاومة رمزية؛ فالجهة في تقديرنا، لا تحتاج إلى إعلام "إيجابي" بالمعنى الدعائي، بل إلى إعلام صعب مقلق ومزعج و مشاكس، غير قابل للترويض، لا يطلب الإذن، ولا ينتظر التعليمات، ولا يكتفي بدور الكومبارس؛ بل يدرك فعليا، كما قال هابرماس، أن الديمقراطية لا تُدار بالتوافق الصامت، بل بالصراع المنظم داخل الفضاء العمومي، فالتنمية، في نهاية المطاف، ليست منحة من المركز، بل نتيجة ضغط اعلامي ومعرفي وسياسي مستمر.
* باحث في سلك الدكتوراه
|
|