الحسين بوالزيت /جديد انفو 

في المغرب، لا تُشنّ الحروب دائمًا على الأرض أو السلطة؛ أحيانًا تُشنّ على الذاكرة نفسها. وكلما خرجت شخصيات بيلماون، أو بوجلود، من الأزقة والقرى بعد عيد الأضحى، مرتدية جلود الأضاحي ومصحوبة بإيقاع الطبول والفرجة الساخرة، انبعث معها سؤال قديم: هل نحن أمام “بدعة” ينبغي محوها، أم أمام طبقة عميقة من الذاكرة المغربية التي نجت من قرون المحو والتبسيط؟

يسهل على البعض إصدار الأحكام: “وثنية”، “جاهلية”، “انحراف”. لكن التاريخ، كعادته، أكثر تعقيدًا من خطب اليقين السريع.

فبيلماون ـ أو بوجلود ـ ليس ظاهرة معزولة في فراغ، ولا حادثة فولكلورية بلا جذور. الباحثون في الأنثروبولوجيا والتاريخ الثقافي يرون فيه طقسًا كرنفاليًا ذا امتدادات قديمة في شمال إفريقيا، وإن ظلّ أصلُه الدقيق محلّ نقاش بين من يربطه بذاكرة أمازيغية ما قبل الإسلام، ومن يقارن بعض رموزه بتقاليد متوسطية قديمة، بما فيها الأعياد الرومانية ذات الأقنعة والانقلاب الرمزي للأدوار الاجتماعية. المؤكد أن ارتداء الجلود والأقنعة، والعبور الجماعي في الفضاء العام، والفرجة الساخرة، كلها عناصر معروفة في طقوس كرنفالية عديدة عبر التاريخ. 

لقد عرف المغرب وشمال إفريقيا دائمًا هذا التراكم الحضاري: الأمازيغي، والقرطاجي، والروماني، والإفريقي الصحراوي، ثم الإسلامي. لم يُمحِ اللاحقُ السابقَ كليًا؛ بل أعاد تشكيله. ولذلك فإن قراءة بيلماون باعتباره “بقايا وثنية” فقط، أو باعتباره “دينًا موازياً”، قراءة تختزل التاريخ إلى ثنائية ساذجة: طُهر مقابل نجاسة، بدل فهم كيف تعيش الشعوب عبر التراكم والتمثّل وإعادة المعنى.

وليس المغرب استثناءً. ففي أوروبا لا تزال طقوس تنكّر بالأقنعة والجلود والحيوانات الرمزية قائمة إلى اليوم: من كرنفالات الجبال في إسبانيا والبرتغال، إلى احتفالات يرتدي فيها المشاركون جلودًا وأقنعة مخيفة في البلقان ووسط أوروبا لطرد الشر أو استقبال دورة زمنية جديدة. والمفارقة أن كثيرًا من هذه الطقوس تُسوَّق اليوم كتراث وطني ومورد ثقافي وسياحي، لا كوصمة عار. 

بل إن فكرة “الكرنفال” نفسها ـ أي قلب النظام مؤقتًا، والسخرية، والتمثيل، والتنكر ـ قديمة في المجال المتوسطي. لذلك تبدو بيلماون أقرب إلى ذاكرة اجتماعية جماعية منها إلى ممارسة دينية بديلة: ذاكرة للعب الجماعي، للمسرحة الشعبية، ولتحويل بقايا الأضحية إلى فرجة ورمز اجتماعي. وفي مناطق سوس والأطلس، ظلّت هذه الممارسة مرتبطة مباشرة بما بعد عيد الأضحى، لا باعتبارها عبادة مستقلة، بل كتقليد اجتماعي-احتفالي متجذر. 

ثم إن السجال يصبح أكثر إثارة للمفارقة حين يُحرَّم على المغاربة تقديس الذاكرة الرمزية لأماكنهم وطقوسهم الشعبية، بينما تتحول أماكن ذات رمزية دينية أو أسطورية أو حجرية في بلدان أخرى إلى مراكز استقطاب روحي وسياحي تدرّ مليارات على اقتصاداتها، وتُعامل باعتبارها “تراثًا” و“هوية” و“موروثًا إنسانيًا”. هنا يلزم التمييز: الدفاع عن التراث لا يعني الدعوة إلى عبادة الأحجار أو الكهوف أو تحويل العادات إلى عقائد؛ بل يعني الاعتراف بأن الشعوب تمنح المعنى لأماكنها ورموزها وذاكرتها، وتحفظها بوصفها جزءًا من تاريخها الثقافي.

فالعار ليس في جلد خروف يتحول إلى قناع كرنفالي بعد العيد، ولا في قرية ترقص على إيقاع الطبل كي تستعيد ذاكرة أسلافها. العار الحقيقي يبدأ عندما يُطلب من شعبٍ أن يقطع نسبه الرمزي مع تاريخه، وأن يعيش بلا طبقات ثقافية مسترسلة في التاريخ، وبلا ذاكرة، وبلا حق في تعقيد هويته.

الحسين بوالزيت

صحافي وباحث في التاريخ.