زايد جرو ـ الرشيدية /جديد انفو

ليست كل رحلة من الجامعة إلى تدبير الشأن العام مكسباً لصاحبها، فثمة تجارب تطرح سؤالاً عميقا : ماذا يربح المثقف عندما يغادر فضاء الفكر إلى صخب السياسة المحلية أو الجمع بينهما في وقت واحد؟

سؤال يفرض نفسه عند استحضار تجربة سعيد كريمي، الأكاديمي والمثقف الذي اختار خوض غمار التسيير الجماعي بمدينة الرشيدية، فمن يتابع مساره يدرك أن اهتماماته الفكرية والثقافية لم تكن يوماً ضيقة، ولم تُبنَ ذات يوم على ربح او طموحات تبحث عن موقع داخل المشهد السياسي، فقد جاء من فضاء المعرفة، لا من دهاليز المصالح، ومن عالم الفكرة، لا من منطق المكاسب.

غير أن السياسة المحلية كثيراً ما تفرض إيقاعاً مختلفاً، حيث تتحول بعض دورات المجالس المنتخبة إلى ساحات للتجاذب والتلاسن أكثر منها فضاءات للنقاش الرصين وصناعة القرار. وفي مثل هذه الأجواء، يجد المثقف نفسه أمام معادلة صعبة: هل يستطيع خطاب المعرفة أن ينتصر على لغة  الايديولوجيات والصراعات اليومية؟

إن المكانة العلمية والثقافية لا تنسجم دائماً مع أجواء المزايدات والملاسنات التي تُفقد المؤسسات هيبتها، وتُبعدها عن رسالتها في خدمة المواطن. فالتباين المعرفي والثقافي بين الفاعلين قد يجعل الحوار الجاد أمراً عسيراً، ويمنح الضجيج و' التسيب' في الكلام مساحة أكبر وأوسع من الفكرة.

لقد بدا وكأن سعيد كريمي انتقل من كرسي المعرفة إلى فضاء سياسي فوضوي  مثقل بإرث طويل من الأعطاب البنيوية، وهي أعطاب لا تُعالج بحسن النية وحدها، ولا بخطاب المشاعر، ولا بطيبة المثقف، لأن إصلاحها يحتاج إلى إرادة جماعية وثقافة مؤسساتية راسخة قبل أي شيء آخر.

ولعل التجربة، بما حملته من دروس، تؤكد أن الثقافة قادرة على صناعة أحداث في بيئة غير ملوثة، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير واقع سياسي متجذر في ممارسات تحتاج إلى مراجعات عميقة، فالعطار من المنظور الشعبوي لا يصلح ما أفسده الدهر، عندما تكون الأزمة أعمق من أن تُختزل في جهود فردية مهما بلغت قيمتها.

لذلك، قد يكون الفضاء الذي ينسجم أكثر مع تجربة سعيد كريمي هو فضاء الدبلوماسية الثقافية والمعرفية، حيث للكلمة أثرها، وللفكر مكانته، وللحوار قيمته. هناك يمكن للخبرة الأكاديمية أن تؤدي رسالتها كاملة، بعيداً عن ضجيج الشعبوية اليومية المصطنعة.

سؤال عريض بحجم المقام والمقال:   كيف للمثقف  أن يجلب  الاستثمار وكيف  تتحول المعرفة الأكاديمية  إلى قوة تنموية؟

لا يقتصر دور المثقف في إنتاج المعرفة أو إعادة تأسيسها أو كتابة الكتب وإلقاء المحاضرات، بل يمتد إلى الإسهام في بناء بيئة جاذبة للاستثمار والتنمية. فالمثقف الحقيقي هو الذي يوظف رصيده المعرفي وعلاقاته الداخلية والخارجية  وخبرته لفهم حاجيات مجتمعه، واقتراح حلول عملية تجعل من منطقته فضاءً قادراً على استقطاب المستثمرين وخلق فرص الشغل.

إن الاستثمار لا يبحث فقط عن العقار ، بل يحتاج أيضاً إلى مناخ من الثقة والاستقرار وحسن التدبير، وهي عناصر يستطيع المثقف العضوي أن يسهم في ترسيخها من خلال نشر ثقافة الحكامة، والدفاع عن الشفافية، وتشجيع الحوار بين الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات والساكنة.

كما أن المثقف يمتلك القدرة على تسويق المؤهلات الطبيعية والتاريخية والثقافية التي تزخر بها منطقته، وتحويلها إلى مشاريع اقتصادية في مجالات السياحة والصناعات الثقافية والاقتصاد الأخضر والاقتصاد الرقمي. فالتنمية تبدأ بفكرة، وغالباً ما يكون المثقف هو صاحب هذه الفكرة أو من يمنحها العمق والرؤيا.

وفي المقابل، يفقد المثقف جزءاً من رسالته عندما ينغلق في صراعات السياسة الضيقة، أو ينشغل بالملاسنات الانتخابية على حساب التفكير الاستراتيجي في مستقبل التنمية. فالمجتمع ينتظر منه أن يكون جسراً بين المعرفة والقرار، وأن يدافع عن المشاريع المنتجة للثروة، لا أن يصبح مجرد طرف في صراعات لا تضيف قيمة للمجال.

إن نجاح أي منطقة في استقطاب الاستثمار رهين بتكامل الأدوار بين المنتخبين والإدارة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لكن المثقف يظل صاحب الدور الأهم في إنتاج الرؤيا، وصناعة الأمل، وتوجيه النقاش العمومي نحو قضايا التنمية الحقيقية. فحين يقود الفكرُ التنمية، يصبح الاستثمار نتيجة طبيعية، لا مجرد شعار يرفع في المناسبات.

كما يكمن دور الخلفية الثقافية والأكاديمية في القدرة على الترافع وجلب الموارد المالية لفائدة الجماعة ومن أمثلة  ذلك حسب  المتتبعين بجماعة الرشيدية الترافع وعقد شراكات لتنزيل مشروع الجاذبية الاقتصادية والاجتماعية بكلفة 12 مليار سنتيم، والتي همت تهيئة مختلف الشوارع الرئيسة للمدينة والإنارة العمومية والمساحات الخضراء والترافع وعقد شراكات مع مختلف المؤسسات الحكومية والمنتخبة لتنزيل مشروع تهيئة الأحياء ناقصة التجهيز والتي انطلقت فعليا وهمت 22 حيا بكلفة مالية ناهزت 23 مليار سنتيم، إلى جانب الترافع وعقد شراكات مع مختلف المؤسسات الحكومية والمنتخبة لإنجاز قطب ثقافي بمدينة الرشيدية يشمل ستة مؤسسات ثقافية كبرى، بما في ذلك مركب ثقافي ومسرح كبير ومتحف خاص بالهوية الثقافية للجهة ومعرض للمنتوجات الثقافية ومكتبة كبرى بغلاف مالي قدره 12 مليار سنتيم، والترافع مع وزارة التجهيز والنقل لتثنية قنطرة وادي زيز بغلاف مالي قدره 4 مليار سنتيم ونصف والتي ستنطلق اشغالها بعد بضعة ايام علاوة  على مجموعة من المشاريع التي تم إنجازها او التي هي في طور الإنجاز .

هي مشاريع ترافع عنها المثقف بعلاقات أكاديمية  جاعلا حصيلة المجلس تتحدث ،فالمثقف في كل مجال تعترضه شعبويات، والرأي العام يتلذذ بمتابعة فوضى الدورات ويصدر أحكاما مغشوشة في الكثير من الحالات، فلم يكن سعيد كريمي في حاجة إلى السياسة ليصنع اسماً لنفسه، فقد سبقته إلى الناس سيرته الأكاديمية، ورصيده الثقافي، وصورته كمثقف ظل لسنوات يراهن على الكلمة والمعرفة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا أضافت السياسة إلى سعيد كريمي؟ 

لقد دخل الرجل إلى تدبير الشأن العام وهو يحمل أدوات المثقف، لكنه وجد نفسه داخل حقل سياسي متعفن تحكمه توازنات معقدة، وحسابات انتخابية متشابكة، وصراعات تستنزف الوقت والجهد، حتى بدا وكأن الفكر يخوض معركة غير متكافئة مع واقع لا يعترف إلا بمنطق المصالح.

ففي المجالس المحلية لا تكفي الشهادات العليا، ولا يضمن الرصيد الأكاديمي وحده صناعة التحول فكثيراً ما تصبح الفكرة رهينة الضجيج، ويتراجع الحوار أمام منطق المزايدات، ويضيع المشروع التنموي بين حسابات السياسة اليومية.

لقد كانت تجربة التسيير الجماعي للدكتور كريمي محطة تستحق التأمل، أما المستقبل فقد يكون أكثر اتساقاً مع مشروع ثقافي ومعرفي يليق بمسار أكاديمي راكم سنوات من البحث والعطاء. فلكل إنسان المجال الذي يبرز فيه، وربما يبقى رهان المعرفة والدبلوماسية الثقافية هو الامتداد الطبيعي لتجربة سعيد كريمي، حيث يكون تأثير الفكر أعمق من صخب السياسة المعطوبة ، وتبقى قيمة الإنسان فيما يضيفه للمعرفة وللوطن.